نوفمبر
30
كتبت بواسطة
مدير الموقع
30 نوفمبر, 2008
بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق
كثيرا ما نتحدث عن سنوات العمل.. أو عدد سنوات الخدمة ونفتخر ونتباهى بكثرتها وعددها الكبير فهي دليل على الإصرار والقدرة على تحمل الصعاب أو مشكلات العمل بأشكالها المختلفة. تنتهي هذه السنوات لتبدأ معها مرحلة جديدة من التأمل والتفكير في الحياة ما بعد (المعاش) الذي هو بالنسبة للبعض (نقطة تحول) ينطلق بها إلى عالم رحب من العطاء والخبرة والحكمة وبالنسبة للبعض الآخر (نقطة تجمد) يتجمد بها كل شيء في مكانه كما لو أنهم فجأة فقدوا الأمل في الحياة والعمل والعطاء وباتوا ينتظرون أو ينظرون حولهم دون أن يحركوا ساكنا أو يغيروا أمرا.
بل أن هذه الحالة من الجمود قد تنتاب الفرد قبل نهاية خدمته بفترة زمنية طويلة يبدأ عندها الاهتمام بكل ما له علاقة (بما بعد الحياة) فتصبح كل اهتماماته منصبة على تسوية المعاش، التأمينات الاجتماعية، وشراء مدفن، والابتعاد عن الناس، والامتناع عن الطعام أو الإفراط فيه أو الانقطاع للعبادة. كما لو أن قرارا قد اتخذ بانتهاء خدمته ليست من العمل فقط ولكن من الحياة كذلك.
إن اختلاف النظرة لهذه اللحظة بين اعتبارها (نقطة تحول) أو اعتبارها (نقطة تجمد) ليس اختلافا طارئا أو مفاجئا وإنما هو نتيجة طبيعية (لطريقة تفكير وقيم) (كل مجموعة، فالمجموعة الأولى تنظر إلى (نهاية الخدمة) على أنها لحظة تعلم جديدة Moment of Learning تتعلم منها درسا جديدا تتأمل فيها ما يمكنها من العطاء وتمهد نفسها لقفزة إضافية جديدة تبعدها عن الانهيار النفسي الماضي على أثر (انتهاء الخدمة) ومن بين قيم وأفكار هذه المجموعة أن العطاء مرتبط (بالتفكير) أكثر من ارتباطه (بالجهد) الجسماني أو العضلي وأن الخبرة الخاصة أكثر مردودا وأعمق أثرا من الخدمة الطويلة، وأن التعلم المستمر ومواجهة التحدي تعد من دعائم الاستمرار في العطاء.
بل إن من آن من آليات نجاح هؤلاء الأفراد من أصحاب (الخروج على المعاش نقطة تحول (إيجابية) قدرتهم الفذة على شحن طاقاتهم الذهنية (بالقراءة، النقاش، المشاركة بالملتقيات والمؤتمرات، بالمرح، بالأنشطة الاجتماعية، بتذكر اللحظات الجميلة في حياتهم)، وهو ما يجعلهم دائما يشعرون بقيمتهم في الحياة التي يعيشونها وفي اقتناعهم بأهمية الدور الذي يلعبونه.
ولعل آخر كتابات سيتفن كوفي عالم الإدارة الأمريكي الشهير صاحب المؤلف ذائع الصيت … العادات السبع.. للمدير الأكثر فعالية، تؤكد أهمية التعلم المستمر باعتباره المبدأ الأول فمن ثمانية مبادئ (للمدير ذي المبادئ) Principle Centered Leader أما المبادئ السبعة الأخرى فهي بالترتيب كالتالي: أنه يهتم بخدمة الآخرين وتقديم الدعم لهم، يشع طاقة إيجابية أثناء حركته وعمله، يؤمن بأهمة الآخرين مهما كانت مكانتهم الوظيفية أو الاجتماعية، يحيا حياة متوازنة، يعشق المخاطرة المحسوبة يرى الكل أكبر من مجموع الأجزاء، يعمل دائما على تجديد مصادر طاقته العقلية، النفسية، الجسدية.
وتلك المبادئ هي نفسها التي تجعل من حياة العمل حياة خبرة لا خدمة.. ولعل من المستغرب أن يتباهى المرء بأنه قد قضى حياته لدى صاحب عمل واحد أو كان يؤدي نفس العمل طوال فترة عمله أو يتفاخر بأنه كان متخصصا تخصصا دقيقا في عمل لم يؤد غيره طوال فترة خدمته حتى صار يعرف أكثر فأكثر عن أقل فأقل حتى اكتشف في النهاية أنه يعرف كل شيء عن لا شيء وعن شيء لا حاجة إليه.
إن النظرة البانورامية التي يتمتع أو يتميز بها فرد دون آخر، فضلا عن التنوع في مصادر الخبرة والمعرفة إنما ترجع أساسا إلى مدى إدراك كل منا لمعنى (مستوى الكفاءة) فمنذ التحاقنا بالعمل تصادفنا مجموعة من المهام الوظيفية الواجب علينا القيام بها.. وتتطلب هذه الوظائف مجموعة من المهارات أو القدرات الواجب اكتسابها حتى نتمكن من الوفاء بمسئولياتنا هذه ويستمر الفرد دائم العمل والسعي لإيجاد هذا التوازن المستمر بين ما يطلبه العمل وبين ما يحتاج إليه من مهارات سواء بالتدريب، التنمية الذاتية، إعادة التأهيل وغيرها من أساليب رفع الكفاءة.
عندما يتحقق التوازن يصل الإنسان منا إلى (مستوى الكفاءة) اللازم لأداء العمل وتستمر الأوضاع حتى يتغير أحد المتغيرين المهام الوظيفية أو القدرات الفردية أو ما يمكن أن نطلق عليهما (البسط والمقام). ويصل الفرد كذلك إلى (نقطة الرضاء الوظيفي) وخصوصا إذا ما حظي أداؤه بتقدير الآخرين. وقد يمتد إحساس الفرد بالتوازن لفترة طويلة دون اختلال لطبيعة العلاقة بين (البسط والمقام).. (المهام والقدرة) وخصوصا عندما يتسم العمل بالنمطية والروتينية وانعدام التحدي تماما كما يحدث في بعض الوظائف الكتابية التي لا تمثل ضغطا أو تحديا لشاغلبيها ولا يطرأ عليها تغيير يذكر على مدى سنوات طويلة لاستيفاء نماذج الشهر العقاري مثلا، أو الضرائب وفي مثل هذه الوظائف تصبح سنوات العمر خدمة وسنوات العمل أقرب إلى أسلوب حياة النمل والنحل تحكمها الغريزة وردود الأفعال فالخبرة محدودة ونمطية والتجديد يكاد يكون منعدما.
وقد يقصر مدى الإحساس بالتوازن في تلك الوظائف التي يتطلب الأمر فيها خبرة متنوعة متجددة حيث القاعدة الأساسية للخبرة والمعرفة تنبع أساسا من الأفكار والمعلومات الجديدة ولا تأتي من المعرفة السابقة القديمة أو من البديهيات أو الطقوس الإدارية.
وشاغلي هذا النوع من الوظائف يسعون إلى تجديد طاقاتهم المعرفية باكتساب المزيد من الخبرة من الآخرين والبحث عن مصادر تجديد خبراتهم باستمرار وعلى هذا فمستوى الكفاءة لديهم متغيرا باستمرار نظرا لتغير طرفي المعادلة (البسط) أو المهام اللازم أداؤها (المقام) القدرة والمهارة اللازم اكتسابها. ومن المثير للدهشة أن مستوى الكفاءة أو نقطة (التحول والانصهار) يقابلها على الجانب الآخر (مستوى نقطة عدم الكفاءة) وهي تلك النقطة التي لا تتواءم فيها مهارات الفرد وقدراته على الوفاء بالمتطلبات الوظيفية وعندئذ يعجز الفرد عن القيام بمسئولياته وعليه في مثل هذه الحالات أن يلجأ إلى أساليب أخرى عديدة لملء هذه الفجوة في الأداء المترتبة على عدم قدرته على اكتساب المهارات اللازمة لمواكبة معايير الأداء الجديدة.
ومن بين هذه الآليات المناورة، سرقة أفكار الآخرين، أشعار الآخرين بالعجز، إثارة جو من الارتباك والتردد والحيرة في العمل، استغلال جهود بعض الطاقات الشابة وتوجيهها لمصلحته، الاعتماد على مجموعة من المستشارين والخبراء المحيطين به، تدعيم الشللية وتكوين جماعات ضغط أو مصلحة، وجميع هذه الآليات هدفها في النهاية سد الفجوة الحقيقية بين مستوى قدرته ومتطلبات الأداء اللازمة.
ومن ناحية أخرى، قد يصل المرء إلى مستوى عدم كفاءته نتيجة (ترقيته إلى منصب أعلى) حيث أن المناصب الأعلى بالتعريف تعني مسئوليات أكبر وأهم وتحديات أصعب ولهذا فإن الانتقال إليها يعني تحلي من سيتم ترقيتهم إليها بالمهارات اللازمة لأداء هذه المسئوليات الأصعب وفي حالة عدم تحقق ذلك، فإننا ندفع بمن سيتم ترقيتهم إلى نقطة عدم كفاءتهم (نقطة التجمد) بعد ما كانوا يعملون بفعالية داخل نطاق كفاءتهم وضمن إطار مهاراتهم وفي حدود قدراتهم.
وأعني هنا أن ترقية كبير المهندسين إلى وظيفة سكرتير عام محافظة مثلا قد يعني في حالة عدم تجريبه وتأهيله، أننا بترقيته قد نقلناه من مستوى كفاءته لكونه (مهندس بارع) إلى مستوى عدم كفاءته (كمدير وقيادي فاشل) وهو ما يدعونا للتساؤل حول المردود السلبي والأثر العكسي لترقية 5 مليون موظف بميزانية 35 مليون جنيه (بمتوسط 7 جنيها للمرقى. فكم من هؤلاء سيتقلون بسبب هذا القرار من مستوى كفاءتهم) برغم إحباطهم إلى مستوى عدم كفاءتهم برغم ترقيتهم.
Tags: