نوفمبر
16
كتبت بواسطة
مدير الموقع
16 نوفمبر, 2008
ومن الغش ما قتل ـ تجاريا كان أم إداريا فالصور التي نعايشها عديدة لطمع أو طموح غير مشروع أو لتقليد الغير وتبسيط الأمور فهو أسهل الطرق للكسب والنفع العام. وعلامة تجارية وإدارية للخلل وللعلل منذ زمن بعيد.. زاد حجم الغش وأثره وزادت معرفة أساليبه وطرقه.. بفضل النوافذ والأبواب المفتوحة التى أتاحت أساليب المعلومات وشبكات الحاسب الآلي وشاشات التليفزيون التى جعلت من حق الجميع أن ينشر، يسرق، يتصل ، يتحدث ويعلن عما هو حقيقي وما هو أيضا مزيف .. وعلى المتضرر أن يلجأ إلى القضاء أو إلى الفضاء حسب صبره وحكمته ونفوذه..
الغش الإداري يحول الأمور أحيانا إلى أعراف سائدة متفق عليها برغم اعترافنا بأنها خاطئة ولكن مصلحة المتعاملين بها تقتضى التعامل وفق هذه المعايير الخاطئة التي تعارفنا عليها والصور عديدة وغربية لهذه الأعراف الخاطئة : توريد سلع بدون فاتورة، أو رفض المورد إعطاء فواتير، توريد رزم ورق بأعداد أقل من المسجل فرزمة الورق المتعارف عليها هو 500 ورقة ولكن المورد يأتي بها 450 باعتبار أن ذلك عرفا سائدا تثمين السيارات والعقارات عند بيعها وتسجيلها بأقل من قيمتها حتى تقل الضرائب المقررة عليها وكذلك تثمين ما يتم تسجيله بالشهر العقاري تفاديا لدفع رسوم مبالغ فيها والمخالفات المرورية يمكن رفعها أو على الأقل جزء منها عند تجديد الرخصة، وممارسات إدارية عديدة لعرف إداري خاطئ سائد استمر حتى تحول إلى جدار سميك من قواعد العمل الاجتماعي والإداري غير الفعالة وسلوكيات يصعب تعديلها بل يتوارثها الموظفون والمديرون من جيل إلى جيل.
والغش الإداري درجات والمدى الذي يذهب إليه أيضا متفاوت ..
فالموظف الذي يطالع الصحف أثناء وقت العمل ويستمر في المطالعة إلى أن يشعر بقدوم رئيسه فيسرع بإخفاء الصحيفة هو أحد أبسط صور الغش الإداري ولو لم يكن الأمر كذلك لما سارع بإخفاء ما يفعل وزميله الذي يقضي وقته في العمل ليتعلم صنعه أو حرفة أو لغة أو برنامجا للحاسب الألي تمهيدا لتركه للعمل ليلتحق بجهة أخرى بعد ما يكمل تعليمه على نفقة الجهة ودون علمها لصورة أخرى من صور الغش الإداري والزميل الثالث الذي يحضر معه صباح كل يوم مجموعة من المباريات والألعاب الإلكترونية التى يقضي فيها على ملك العمل ويقضي بها أيضا على أمل الإدارة ويهدر الأموال والآمال لصورة أخرى من صور الغش الإداري .
ومن الطريف هنا أننا أحيانا ما نستخدم بعض المسكنات الاجتماعية التى تجعلنا سكاري وما نحن بسكارى، سكاري غير مدركين لما نفعل من هدر وفقد ومن نشر للقيم السلبية ومن قتل لفرص التقدم والنجاح، من تدمير لطاقتنا الكامنة مسكنات اجتماعية عديدة تأخذ أحيانا شكل أمثلة حكايات سوابق نكات جميعها تقوم في النهاية على جدول الضرب السلبي الخاص بالغش الإداري ومثال ذلك (أعمل أكثر تخطئ أكثر تعاقب، لا تعمل لا تخطئ تكافأ ) أو المقولة الشائعة (يا عزيزي كلنا لصوص )أو فلتنظر إلى الآخرين ستجدهم مثلنا في الغش متورطون، أو أننا لم نخلق ملائكة .. وأنه لا يرجي من محتاج التزام الخلق القويم، كما لو أنها دعوة مفتوحة على غذاء غش أو عشاء خداع أو إفطار هدم وهدر لموارد العمل وإمكانياته.
يقولون أن المرء من حقه أن يكذب ليتجمل أو أن يكذب كذبا ناصع البياض ليحمي علاقاته بالآخرين أو ليسعد رئيسه كدعوى عدم إبلاغ رئيسه بالأنباء السيئة خشية غضبه أو إنفعاله عند سماعها .. فالكذب الشرعي كما يقول الإنجليز يأخذ شكلين الشكل الأول عند إجراء مقابلة التوظف حيث يؤكد الفرد أنه يتمتع بكافة متطلبات أداء الوظيفة التى يتقدم إليها وأنه الكفء والأحق والأجدر لشغلها حتى ولو كان ذلك كذبا أما الشكل الثاني وهو عندما يتقدم ليحصل على عرض لأداء مشروع أو الإتفاق على عمل أو للتقدم لخطبة شريكة الحياة فالكذب هنا دائما أبيض اللون حتى ولو كان للعقل وللقلب لون أخر. فالكذب هو آفة الغش الإداري وركيزته الأولى.
أسرد لكم هنا بعض حالات الغش الإداري التى لا يعاقب عليها القانون أو لا يعاقب عليها أيضا العرف الإداري السائد أو بمعنى أدق لا يتجاوز العقاب حدود الغضب أو الألم النفسي المؤقت أو الإندهاش دون الانغماس في هذه الأخلاقيات الإدارية السلبية.
1- إستغلال موارد العمل كالتليفون والمواد الكتابية والأوراق الرسمية للجهة لخدمة المصالح الشخصية واستخدام وقت العمل في إنجاز المعاملات الشخصية.
2- إفشاء أسرار العمل للمنافسين وإفشاء بعض الأرقام السرية، بهدف تسهيل العمل بغض النظر عن مصلحة العمل، فالغاية تبرر دائما الوسيلة حتى ولو كانت الوسيلة هي هدر موارد وفرص النمو والتقدم للعمل.
3- إصدار شهادات أو خطابات رسمية موقعة بخاتم الشركة للاستفادة منها في التعيين لدى جهات أخرى أو للسفر بالخارج، دون علم الإدارة وموافقتها.
4- إعداد سير حياة ذاتية، تتضمن معلومات أو بيانات خاطئة غير موثوقة عند التقدم لشغل وظيفة جديدة.
5- الإعلان عن طلب عروض عديدة لتصنيع أو تنفيذ نشاط معين وذلك بهدف معرفة بعض المعلومات الرئيسية عن هذا النشاط تمهيدا للدخول فيه حيث الهدف من طلب عروض هو سرقة أسرار المنافسين ومعرفة طريقة تسعيرهم وسرقة جهودهم. كمن يطلب عرضا بتنفيذ برامج تدريبية من جهة متخصصة تمهيدا لإصدار خطة التدريب الخاصة به والتي تم إعدادها بناء على ما ورد في العروض المقدمة إليه من معلومات وخبرات وأسرار.
6- التحالف المرحلي مع إحدى الجهات أو الخبراء للاستفادة منها مرحليا لحين انتقال خبرتها أو علاقاتها ثم السعى لإنهاء التعامل معها، فالشركة التى تتحالف مع شركة أخرى لا تريد إلا أن تحصل على عقد ثم تنفض يدها من التعاقد، والاستشاري الحر الذي يتعرف على طالب العمل فيعرض عليه عروضا أقل من عرض الجهة التى أوفدته، والموظف الذي يستغل زيارات الترويج واللقاءات العامة والملتقيات ليعرض نفسه للتعيين لمن يدفع أكثر، والآخر الذي يستثمر فرص الابتعاث أو التعليم أو السفر للخارج للبحث عمل بالدول التي ابتعث إليه طالبا، أو مروجا ما هي إلا صور عديدة للغش الإداري .
7- وطالب البحث الذي يقتبس أجزاء كاملة من رسائل الماجستير والدكتوراه الآخرين وينسبها لنفسه أو ينزع اسم صاحب الحق فيها ويخفيه أو يسجل مجموعة من المراجع الأجنبية التى من المفترض أنه استقى منها معارفه ومعلوماته ودون أن يكون ذلك حقيقيا، وطالب العلم الذي يستوفى بطاقات البحث الميداني بمنزله وعلى مكتبه دون المرور على أفراد العينة الذين من المقرر أن يستقصى منهم معلوماته جميعها أيضا صور للغش العلمي والمنهجي التى تحتاج لمزيد من التدقيق والتحري والملاحقة.
8- ولا شك أن حالة الاستنفار التى تحدث عند استقبال المسئول قد يشوبها أحيانا بعض صور تجميل الواقع أو تغييره أو إخفائه لحين اكتمال الزيارة أو جولة التفتيش التى يقوم بها وليس أدل على ذلك من أن بعض هذه الجهات قد يصيبها الخلل وتتردى خدماتها بعد مرور أسابيع أو شهور على افتتاحها.
ولنا أن نتصور كيف كان القصر العيني عند افتتاحه وكيف أصبح وكيف كانت المشاريع يوم افتتاحها وكيف أصبحت وكيف لنا أن نبقى على رونق وجمال تلك المشاريع كما لو أنها دائما في انتظار المسئول، الأجهزة تعمل ، الفريق متكامل، المظهر رائع، الورود يانعة، النظافة مطلقة، الحركات، اليقظة تامة محسوبة، المعلومات دقيقة وساعات الحائط مضبوطة، علم مصر متواجد ونظيف وشامخ وجميع المواطنين الذين يتلقون الخدمة أو تصادف وجودهم بالمكان عند الزيارة يبدو عليهم الرضا والإطمئنان للخدمة والسعادة لزيارة المسئول الذي أحيانا ما يتمنوا لو شاء القدر بأنه يتواجد يوميا في جميع الأماكن التي تتحقق فيها آمالهم البسيطة دون غش أو خداع إداري أو تجاري ..
9- الجهة الإدارية التى تطلب أكثر من عرض من الجهات المعنية بالتوريد لسلعة كانت أم خدمة ولكنها تعلم مقدما من سيقع عليه العرض أو الإختيار وكل هذه العروض المقدمة ليست سوى ) تمثيلية إدارية أو بالأحرى درامية تنتهى باختيار الأفيد لا الأنسب.
10- الموظف الذي يتحالف مع بعض الموردين فيبادر بإقناع الإدارة بالتعامل والتعاقد مع المورد أو يبادر دون أن يأخذ في الاعتبار تطبيق أو مراعاة مصلحة العمل.
سمعنا كثيرا عن كلمة الشفافية فمتى يصبح الأداء الإداري شفافا وهل بالإمكان أن تتضمن اختيارات القبول بالوظائف المدنية والعليا مقاييس للشفافية ومحددات وقيود تقلل من حالات الغش الإداري .
جميعنا نطلب الحب والآمان وندعو الأبناء والزملاء وحتى الأعداء للعيش في سلام، ولكننا أحيانا ما نشعر بأننا نفتقر إلى السلام مع أنفسنا – وأن هناك من تصرفاتنا وسلوكياتنا ما لا نحبه وقد تكون مجبرين لاتباعه، فالنفاق والخوف والحقد والغيرة القاتلة وجلد الذات والمناورات والوصولية والتسلق وسرق آمال وأعمال الكادحين في عز النهار هي من أبشع صور الغش الإداري …
بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق
Tags: