ديسمبر29
29 ديسمبر, 2008 
بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق
انخفاض الإنتاجية له أسباب عديدة، منها المنطقي ومنها أيضا غير المنطقي. وأيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة وهي هدر الطاقة والانشغال بآلام الوضع الإداري الذي يصيب جهازه التنفسي ويمنعه من التفكير برشد ومنهجية. وأشكال الألم الإداري عديدة أهمها: الغش الإداري،والخوف الإداري، وثالثها النفاق الإداري الذي نفرد له هذه المقالة لكونه الأب الشرعي لتأخر مواجهة مشكلات الإنتاجية وضعف الخدمات الحكومية.
والنفاق نفاق القلوب والألسنة والنوايا والسلوك، فالمنافق لا يدخر وسعا لممارسة نفاقه بالقول والفعل.. وأيضا بالمناورة.
والنفاق له ألوان وأيضا درجات تبدأ بالابتسامة المزيفة أو السفراء وتنتهي بالإغراق في تبني وجهة نظر من نكرههم، إما خوفا منهم أو من قبيل استكمال الشكل الاجتماعي الذي يفضلونه هم ونجيده نحن.
ونحن نطلق عليه أحيانا وجاهة أو دبلوماسية أو مرونة وعدم تعصب. وقد يجيد البعض منا فن ارتداء القناع المناسب للحدث المناسب، فإن كان حزنا على فراق أحد أقارب المسئول فهو يفرط في إظهار الحزن لحد البكاء واحمرار العينين كمشاطرة منه أو مشاركة، ولا يخلو الأمر طبعا من مجاملة اجتماعية قد تسهم في التقرب من الرئيس ومجاملته في السراء والضراء. والأقنعة التي يرتديها المنافق عديدة يمكننا أن نحدد منها: قناع المنبهر، وقناع المهرج، وقناع الوصي، وقناع الوصيف.
القناع الأول: قناع المنبهر بعبقرية الرئيس والمنصت لأفكاره وآرائه التي يراها دائما فذة، والمستجيب لكل تعليماته وتوجيهاته وتكليفاته، فصاحب السلطة هو عندهم أيضا صاحب رؤية ثاقبة ورأي سديد.. وهو عندهم أيضا مالك لأصول وقواعد العمل والتفكير معا. وتجدهم كثيرا في اللقاءات والاجتماعات يرتدون قناع (نعم) دائما (انك ستظل دائما على حق) وهو ما ينعكس على تغبيرات وجوههم وأعينهم وأجسادهم التي تؤكد للمتحدث (كم هو رائع وبديع). وأحيانا يتعرف المتحدث على صاحب هذا (القناع المريح المنبهر) فنجده يوجه معظم حديثه له فلقد وجد فيه المنصت والمستجيب. وعليك إن تقابلت مع هذا النوع من المنبهرين بذكائك وحنكتك أن تسأل نفسك عن دوافع ارتدائه لقناع (الإعجاب الشديد) وهل سيستمر هذا الإعجاب بعد زوال القوة الجاه؟ إن منطقة القناع في النفس البشرية تشكل جزءا رئيسيا في سلوكياتنا اليومية، عندما نجعله نأتي بوعي بسلوكيات تختلف عما يدور في أذهاننا خوفا من أن تغضب الحقيقة الآخرين.. كأن نظهر قمة الحزن ونحن داخليا لا نشعر بذلك، أو نظهر موافقتنا على ما يجري وسعادتنا به دون أن نشعر حقيقة بذلك.. فنجد منا من يومئ برأسه ويضعها على إصبعيه السبابة والإبهام لإظهار قمة التركيز والانتباه وهو يعمل أن هذا الطرح قديم أو أن المتحدث ممل أو غير صادق، فالحديث قد طال ولا جدوى من كل ما يقول. إلا أن القناع أحيانا ما يشكل جزءا رئيسيا من وظيفتنا، فنحن لا نستطيع أن نجري مقابلة لاختيار أحد الموظفين دون أن نرتدي عن عمد (قناع السيطرة على مشاعرنا) وعدم إظهار أية ردود أفعال لاستجابات من نختارهم أو نختبرهم.. وإلا فإننا بإظهار ذلك نكون قد أفسدنا أحد مبادئ إجراء المقابلة والاختبار وهي الموضوعية، وكذلك الأمر بالنسبة للمذيعين عندما ينقلون خبرا هاما أو يعلقون على حدث أو كارثة أو حتى يعلنون قيام الحرب على أعداء أمتهم فإنهم يرتدون قناع عدم التأثر والتعبيرات الجليدية التي تكسو وجوههم عند إذاعتهم أو نقلهم لهذا الخبر.. وإلا لفسدت وفشلت وكالات الأنباء في نقل الأخبار وتحولت إلى أجهزة لنقل المشاعر، وكذلك بالنسبة للعاملين في أجهزة البحث والتحري والأمن والقضاء حيث عليهم جميعا التمسك بوعي بطبيعة وخصائص القناع المفروض عليهم بحكم شغلهم لهذه الوظائف.
أما القناع الثاني فهو قناع المهرج أو كما كانوا يطلقون عليه سابقا (مضحك الملك) أو من يدخل عليه البهجة والسرور وينقل إليه فقط ما طاب من الأنباء السارة والأخبار السعيدة ويهون عليه كل المآسي ويضمد له جراح (العقل والقلب واللسان) ويجعل مصائب الزمان وغدره مخففة بمحلول عسل النفاق وسكر الثناء، وهو بحكم خبرته على دراية كاملة بمفاتيح مزاج رئيسه ولديه مفكرة تضم أيام الغضب ولحظات الفرح ومواعيد النوات النفسية والسلوكية، ويعمل دائما على إسعاده لأنه يحبه ويتجنب إغضابه أو إبلاغه بكل ما يعكر صفو÷. إن هذه الأدوار هي أيضا أدوار طبيعية في الحياة لمن يؤديها بوعي وإدراك أن لم يتطلب الأمر منه أن يرتدي قناعا مؤقتا لأدائها ثم يبادر بطرحه جانبا بمجرد انتهاء لحظات الأداء، فهناك من المنافقين من يبدون مشاعر التأثر والانفعال وبداخلهم قمة الارتياح والفرح.. تماما كما يحدث للبعض أثناء الاحتفال بخروج أشخاص معينين على المعاش.
والقناع الثالث هو قناع الوصي والراعي الذي يخشى عليك من وقوع الضرر ويسارع دائما بتوجيه النصح والإرشاد للطرف الآخر ويجيد لعب دور الناصح الأمين والحريص والصديق الأوفى الذي لا يشغله سوى أن يراك وقد حققت كل أهدافك، حتى ولو كان الثمن هو تضحيته بسبل راحته، فهو دائم النصح والدعوات والتبريكات، ومصدر راحته وسكونه هو بقاؤه بجانبك ليؤكد لك أنك – برعايته – تسير في الطريق السليم، وليؤكد أيضا إخلاصه وتضحيته فهو ضمير مستتر تقديره (أنت|) بعد أن استطاع أن يفك شفرة سلوكك ويفسرها على أشكال من الحلال والحرام، والصواب والخطأ، والجنة والنار، والحق والباطل. جميعنا يتمنى أن يجد بجواره من يلعب هذا الدور (ليس بحكم منصبه أو وظيفته أو كمصلحة متبادلة أو بارتداء قناع يفضله) وإنما كقيمة حقيقية يشعر بها تجاهنا ويصبح بها ضميرا حاضرا لا ضميرا مستترا، لأن من الناس من يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم، ومنهم أيضا من ينهون الناس عن عمل ما ويأتون بمثله وذلك لأنهم حينئذ كانوا يرتدون قناع عفة النفس واللسان والقدوة والحكمة وهم – عن وعي – أبعد ما يكونون عن ذلك.
أما القناع الرابع فهو قناع الوصيف الذي يحاول إقناعك بأن تتفرغ للتفكير والتخطيط وأن تترك له المهام اليومية المملة والمزعجة كالتنفيذ والإشراف والفعل، وهو يستغل هنا هذه الفرصة لبسط سلطته وسيطرته هو على العمل وتوجيهه لمصالحه وإرهاب العاملين باسمك والحصول على تأييدهم وولاءهم حيث يعتبرونه المدخل الوحيد للحصول على رضاء الرئيس. وغالبا ما ينتهي الأمر إلى الإطاحة بك واحتلاله هو لمكانك على رأس العمل.
هذه هي الأقنعة الأربعة الرئيسية، وإن كانت هناك أقنعة أخرى عديدة وكثيرة تسهل علينا (النفاق)، كأقنعة حافظ الأسرار، والخادم الأمين، والخبير الأوحد، وشرطي المرور، أو النائب العام، أو ابن الذوات، والمغلوب على أمره، أو الدمية، ويمكننا معرفة مواصفاتها جميعا من أسمائها، وهي أيضا بيننا ونلمسها أو نرتديها دائما أو أحيانا أثناء ذهابنا للعمل أو عند عودتنا إلى المنزل.. أو حتى عندما يطلب الرئيس مقابلتنا أو التحدث إلينا هاتفيا.
((قيل لابن عمر (رضي الله عنهما)) إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره قال كنا نعد ذلك على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم (النفاق)).
تأمل في هذا الحديث عن ((أبي هريرة)) (رضي الله عنه) الذي يلخص لنا ما يحدث حتى يومنا هذا وعلى مستويات مختلفة، إن تذكرنا ((أن كلنا راع وكلنا مسئول عن رعيته)) أو أن كلا منا بمثابة أمير على أسرته أو مرؤوسيه، أو أننا بنفس المنطق تابعون أو رعايا لآخرين: رئيسا كان أو مديرا أو صاحب عمل أو حتى عميلا، إن هذا الحديث لخير وصف للنفاق وللقناع الذي يشمله، فالنفاق هو أن تقول القول فإذا انفض الحدث أو الاجتماع أو اللقاء قلت غيره لآخرين أو حتى لنفسك. إن انتشار مثل هذا السلوك له أسباب كثيرة من بينها: عدم المبالاة، والحرص على المنصب الحالي، والخوف من فقدان المصالح المتبادلة مع من ننافقهم، وراحة البال والبعد عن أبواب الريح إن قلنا الحقيقة كما هي. وأيا كانت الأسباب فإنها ستنتهي بتضليل المدير والرئيس والراعي الذي سيتصور وهما أن الحقيقة تكمن فيما قيل ونشر وليست فيما لم يقل أو لم ينشر، وعندئذ يتأكد القول ((سيرتاح قلب الملك إذا بلغته الحقيقة)) كما ورد في إحدى نصائح ((بتاح حتب)) لفرعون.
((وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) وهو اعتبره بعض الفقهاء (كبيرة من الكبائر) وهي صورة أخرى من صور النفاق الذي يؤكد معنى القناع عندما يتبدل وجه المرء بتغير الظروف أو الأحكام أو المناصب، فيصبح في النهاية (كل الأقنعة وكل الآراء وكل الاتجاهات) حسب الاتجاه. فقد قابلت من الناس من يتفق مع رأيك تماما ويؤكد مزاياه، وإن غيرت رأيك بعد عدة دقائق يتفق أيضا مع توصلت إليه من رأي جديد، وإن عدت بعد أيام لرأي ثالث ستجده إنشاء الله من الموافقين، فهو دائما متفق موافق مساير ومتوافق مع ما توصلت إليه حقا وباطلا.. فقد صار يرى بعينيك ويتحدث بلسانك ويتفاءل ويتشاءم بمزاجك.
ولعل أبلغ ما قيل في صور النفاق الاجتماعي هو حديث الرسول عليه الصلاة والسلام ((أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) تلك الصفات الأربع للمنافق لو طبقتها على نفسك ستجد لك منها نصيبا، ولو طبقتها على من حولك ستجد من ينطبق عليهم بعضها أو كلها، وإن استخدمتها لتقييم الأداء السلوكي للقيادات الإدارية ستجد فيهم من يغدر بالعهود ويخون الأمانات ولا يقول صدقا.
والنفاق والأقنعة جميعها محاولات ومناورات سلوكية نمارسها جميعا لكي نحيا ونرقى ونتقدم ونتعايش مع مخاوفنا، والسيطرة عليها واجبة إن كنا نود أن نعيش حياة بلا زيف وبلا خداع، وبداية السيطرة عليها هي نزع الخوف من داخلنا.. الخوف من انقطاع الرزق، والخوف من الرئيس، والخوف من المرؤوسين، والخوف من الحياة، والخوف من الموت، والإيمان بأن ((ليس للإنسان إلا ما سعى)) وإن الرزق والحياة والموت حق. علينا أيضا أن نقاوم رغبتنا في تغذية وحش (المديح والثناء) بداخلنا، فكثيرا ما نسعى للإنصات إلى مديح الآخرين لنا حتى دون وجه حق مما يدفعهم لأن يفرطوا في مدحنا دون وجه حق أيضا فيتحولون إلى منافقين ونتحول نحن إلى رعاة للنفاق والمنافقين. علينا كذلك أن نتذكر دائما أن النفاق قد يحقق أهدافنا إلا أنه في النهاية سيفقدنا احترامنا لأنفسنا وإن طال زمن الإحساس بعكس ذلك.
كما أن علينا أن نقاوم رغبتنا في عدم الاستماع إلى وجهة النظر الحقيقية في سلوكنا وتصرفاتنا وأعمالنا حتى ولو أتت ممن هم أقل أو أصغر منا، وأن نتحمل الاستماع إلى عيوبنا، وأن نسيطر على ردود أفعالنا السلبية تجاه من يحاولون تعديل سلوكنا وتوجيهنا حتى لا ينتهي الحوار مع من يسعون إلى حمايتنا بكلمات أو عبارات قاتلة ومدمرة لنا قبل أن تكون محرجة لهم مثل (أنا كده)، (أنا لم أطلب رأيك)، (عندما أحتاج لرأيك سأبلغك بذلك)، (كيف تجرؤ على قول ذلك)، أو (احتفظ برأيك لنفسك) وجميع هذه الأقوال ستنتهي بأن يبلغنا الآخرون بأن (كل شيء تمام) فقط من باب (النفاق) لا من باب (الحق والحقيقة).
أنظر بداخلك، أعد اكتشاف نفسك، تخلص من رغبتك في الاستماع دائما للمديح والثناء، أتح الفرصة للآخرين للانفتاح عليك واسمح لهم أن يطرقوا بابك بشدة ولا توصده من الداخل، قلل من استخدام الأقنعة قدر الإمكان وتمسك في التعامل مع الآخرين بالوفاء بالعهد والصدق في الحديث وعدم خيانة الأمانة وإلا انطبق عليك قول الحق سبحانه وتعالى في سورة التوبة (آية 77):
((فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون))
صدق الله العظيم