بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
يوليو27


27 يوليو, 2008 RssIcon

بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق

قد يحتاج النجاح إلى جهد كبير لكى يصل إلى الناس، وقد يحتاج أكثر من ذلك إلى الثقة والهدوء ليبقى فى ذاكرتهم لوقت أطوال. أما الفشل فيجد طريقه يسر وسلاسة إلى نفوس الناس.. فيعكر صفو المتفائلين ويثقل ذاكرة المتشائمين ويلوثها.
وفى حين يحتاج النجاح إلى بذل جهد متواصل مستمر.. فإن الفشل يحتاج منا أن نلهو ونيأس وألا نفعل شيئاً سوى النقد والانتقاد دون أن نغير ساكناً.
تلك الحقائق البسيطة التى نلمسها فى مواقف الحياة المختلفة هى التى تدعم ما لدينا من أرصدة التجارب الناجحة فيزداد بها المرء ثقة فى الممكن وفى الإمكانيات اللانهائية لعبقرية وإخلاص القيادات الإدارية المسئولة.
وفى هذا الإطار أود أن أقدم ثلاثة نماذج ناجحة لعبقرية الفكرة والإدارة والرعاية وجميعها نماذج نجاح اجتمعت فيها عوامل مشتركة أراها من بين دواعى النجاح وأهم أسبابه، وهذه العوامل المشتركة هى: الحماس للفكرة، الانضباطية فى التنفيذ، المتابعة المستمرة، ولاء فريق العمل، والأهم من كل ذلك أن القائمين على هذه النماذج الثلاثة مقتنعون تماماً ويدركون بوعى أن النجاح ينبع من داخلهم.
أما النموذج الأول الذى يدل على عبقرية الفكرة فهو نموذج جمعية ((جيل المستقبل)) التى يرأسها السيد/ جمال مبارك ومعه فى مجلس إدارتها نخبة من قيادات رجال الأعمال الذين يسهمون معاص فى بناء كفاءات وكوادر وطنية مؤهلة تأهيلاً متكاملاً يتلاءم مع معطيات وتحديات القرن الجديد. وتكمن عبقرية الفكرة فى ثلاث خصائص.. أولها: اختيار توقيت تزويد الشباب بالمنهج التدريبى المكمل لما حصلوا عليه من تأهيل وتعليم جامعى، فالمنهج يقدم للشباب المتخرجين حديثاً ووفق معايير اختيار علمية تمهيداً لالتحاقهم ببرامج التأهيل والإعداد التى تحتوى على ثلاثة محاور رئيسية هى (استخدامات الحاسب الآلى، اللغة الإنجليزية، الإدارة بفروعها المختلفة) وذلك عقب تخرجهم دون تأخير قد يسمح بانقطاع عملية التأثير أو يتيح للشباب فرصة الابتعاد عن فرص النمو والتقدم.
أما الخاصية الثانية لعبقرية فكرة مشروع جيل المستقبل فتكمن فى التنسيق بين العناصر والجهات المتعددة المسئولة عن تحقيق أهدافه مما يحتاج قدراً هائلاً من الحنكة والحكمة القيادية والإدارية للسيطرة على هذه الموارد المتباينة وجميعها من ذوى الأثر المباشر على نجاح الفكرة.. حيث يشترك فى تنفيذ هذه الفكرة قيادات الصناعة ورجال الأعمال من ناحية ووزارة الشباب بحكم طبيعة دورها من ناحية أخرى وجمعية ((جيل المستقبل)) باعتبارها العقل المفكر والمسئول عن تحقيق الهدف الأسمى وهو (بناء كفاءات شبابية معدة ومؤهلة للعمل)، فبدون التنسيق بين هذه العناصر أو المكونات الثلاثة يصعب تحقيق المشروع لأهدافه التى قام من أجلها.
أما الخاصية الثالثة لعبقرية هذه الفكرة فهى إيجاد آلية منظمة تبقى على التواصل بين خريجى هذه البرامج المتكاملة وتضمن الاستمرار فى تطويرهم والتواصل معهم وبناء قيم وقواعد وأسس مشتركة للعمل من أجل مصر.
إن جمعية جيل المستقبل ومن خلال الجهود المنظمة لفريق العمل بها تقدم إلينا نموذجاً للنجاح المرئى البسيط والمنطقى الذى أحسب أنه مازال فى حاجة إلى إلقاء مزيد من الضوء عليه حتى تصل ملامحه وأسرار نجاحه إلى كل من يبحث عن نموذج هادئ ومؤثر فى حب مصر.
أما النموذج الثانى فهو مثال لعبقرية الإدارة بمعانيها المختلفة: الإبداع، الثقة، الحزم، الانتماء. فعلى امتداد طريق سقارة الحافل بالآثار ومصانع السجاد اليدوى وبعض المنازل الريفية البسيطة.. وكذلك المساكن والفيلات الفاخرة وأماكن التنزه ذات الطابع الريفى.. فى هذا الطريق الذى يمتلئ بالأتوبيسات السياحية التى تنقل مئات من السائحين القادمين لمشاهدة منطقة سقارة الأثرية يقع واحد من أرقى مراكز التدريب والتنمية البشرية فى مصر والوطن العربى والشرق الأوسط. إن مركز سقارة لتنمية القيادات المحلية التابع لوزارة التنمية المحلية، وهو المكان المخصص لتنفيذ البرامج والملتقيات الإدارية لقيادات الإدارة المحلية من خلال خطة تدريبية طموحة تنفذ بدقة واحتراف فى هذا المكان الرائع.
لقد سمحت لى دعوة من اللواء/ سعد الدين خليل رئيس المركز أن أدرك معه من خلال كلماته والالتقاء بفريق العمل لديه، أن للنجاح أسباباً بسيطة وسهلة أهمها أن يصبح للمرء رسالة يعمل ممن أجلها.. سواء كان على قمة الهرم أو فى قاعدته، فنجاحه وهو على قمة هذا المركز النموذجى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعاملة النظافة التى تعمل ليل نهار وبعامل الاستقبال وموظفى الأمن الذين يحترمون مواقعهم ويحبون روادهم من قادة الإدارة المحلية والخبراء والمفكرين. لقد جذب انتباهى فى هذا المكان عدة أمور أحسب أنها قد تدعم لدينا الإحساس (بالممكن والإيجابى) كبديل للتفكير فى (المستحيل والسلبى) وهذه الأمور هى:
1- إن التكامل الذى يوجد فى هذا المركز لا يوجد فى أى مركز تدريبى آخر داخل مصر أو خارجها بالوطن العربى، فالبيئة التدريبية محابية للتعلم، والخدمات المادية والخبرات البشرية تتسم بالتكامل والوفرة والإدارة الحكيمة الهادئة. وبالرغم من أن الطاقة التدريبية للمركز هائلة ومتنوعة فإن القوى البشرية العاملة فيه أقل مما يتصور.
2- استمرارية نجاح هذا المركز والإبقاء عليه بهذه الصورة المشرفة، فبالرغم من انه أنشئ فى الثمانينات إلا أن الإبقاء عليه وتطويره يُعد أحد معايير النجاح لأى مشروع أو نشاط وهو ما يطلق عليه عادة (آليات صيانة النجاح) وخصوصاً إذا أدركنا أن هذه المركز يتبع وزارة الغدارة المحلية، فلعله بذلك يقدم دليلاً على إمكانية التقدم والتفوق للأجهزة الحكومية إذا ما أحسنا إدارتها.
3- أما الأمر الثالث الذى جذب انتباهى فهو إننا بحاجة إلى البحث عن آلية تحول هذا المركز إلى خلية نحل دائبة الحركة وكيف يمكن أن يتحول من مركز تكلفة إلى مركز ربحية، وكيف يمكن أن يفتح أبوابه لتدريب قيادات الحكومة والقطاع الخاص والصناعة، وكيف يستثمر كل ما فيه من إمكانيات التدريب: القاعات، معامل اللغات، الحاسبات الآلية، المطاعم، أماكن الإقامة التى تحيط بها الحدائق والساحات الخضراء ذات التنسيق المتميز لخدمة التدريب كبديل لبعض المراكز التدريبية متواضعة المستوى والمحتوى معاً.
إن من لم يشاهد هذا المركز لا يمكن أن يتصوره، كما أن من يشاهده لا يمكن أن يتخيل أن كل هذه الإمكانيات هى فقط لخدمة القيادات المحلية التى هى بالتأكيد سعيدة بهذا الإنجاز وستزداد سعادتها حين تستفيد مصر بأحد ملامح تطورها وركائز تنميتها، مع كل الثقة والتقدير فى رؤية وزير التنمية المحلية فى أن يقترب منا مركز سقارة ليصبح مصدراً لعطاء جديد للعاملين فى التدريب والتنمية البشرية.
أما التجربة الثالثة والتى تعبر عن (عبقرية الرعاية) فلقد شعرت بها أثناء تواجدى فى إحدى أمسيات فرقة الموسيقى العربية بمناسبة الاحتفال بمرور (100 عام على ميلاد الموسيقار/ محمد بعد الوهاب)، وكم نتيح لك مشاهدة التعبيرات واللمسات الإنسانية عن قرب أن تدرك أن وراء هذه الساعات القليلة التى يستمع إليه الحضور جهداً جباراً وخاصاً لتفادى أى خلل ولتقديم هذا الإبداع الفنى الفذ لحناً وأداءً. إن قائد الأوركسترا المعروف/ سليم سحاب قد يكون من بين أهم أسباب النجاح الحالى لفرقة الموسيقى العربية.. فمن خلال متابعة حركاته وإيماءاته ولمساته التى تجمع بين الرضاء والابتسام والسعادة وبين تقطيب الجبين والفزع والانزعاج من أى خلل بسيط – فضلاً عن معايشته لكل ما يحدث – أكدت لى أن من أبسط أسرار النجاح هى (الرعاية): رعاية العمل والعاملين، رعاية وحماية الصغار من الكبار، حماية الفاشلين من إحباطهم وحماية المبدعين والمتفوقين من غرورهم، حماية المبتدئين من خجلهم أو جهلهم.. فلقد لفت نظرى فى أدائه أنه يقدم بنفسه فقط المؤدين والمؤديات من (كورال الأطفال) وأنه يسمح لهم (لهن) بالوقوف على منصة القيادة عن استقبالهم لترحيب الحضور فى نهاية الأداء، وأثار انتباهى أيضاً مشاركته النجاح الذى يحصل عليه من القاعة أو المسرح مع أعضاء فرقته. إن النموذج البشرى لأداء سليم سحاب قائم على حقيقة رئيسية ذكرها فى أحد البرامج بتليفزيون البحرين، وهى انه (يرعى وجدانه) لدرجة أنه يبكى أحياناً عند سماع الموسيقى، ويرعى من يعملون معه وينزعج كثيراً من ظاهرة أطلق هو عليها (الأمية الوجدانية).
تلك هى مفاتيح النجاح التى لمستها فى نماذج ثلاثة (الفكرة، الإدارة، الرعاية) وكم نحن أحوج إلى أن نسمح للأفكار أن تزدهر وللإدارة أن تتحرر وللوجدان أن ينتعش.
تحية لهذه النماذج العبقرية.. حيث العطاء هو كلمة السر التى تجمعها جميعاً فى رباط مقدس أسمه.. ((حب مصر)).

بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق

1 التعليقات...


رد: عبقرية الفكرة والإدارة والرعاية

أولاً :شكراَ للدكتور / عبد الرحمن توفيق على هذا الفكر الرائع.. والعبقرية في استخدام التوصيف لفكرة جمعية جيل المستقبل..
ثانياً: أتقدم لأسرة بميك بخالص الشكر والتقدير على هذا المجهود الرائع لخدمة التنمية البشرية العربية،
ثالثاً: أتمنى أيضاً ان استخلاص كافة الافكار التي تفيد المجتمعات العربية من اصدارات بميك لافادة الباحثين وأن يكون لكم اليد العليا في البحث العلمي العربي كما هو وارد في هذا المقال لانني اتذكر قرأته في كتابكم الرائع افكار لكسر الاطار الذي احتوى على خلاصة فكركم في المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات العربية.
رابعاً: ادعوا الله لكم بالتوفيق .. وأن تظلوا دائماً في قمة التميز والريادة المهنية باذن الله تعالى
وفقكم الله وتقبلوا تحياتي
د. رمضان حسين الشيخ

بواسطة الدكتور / رمضان حسين الشيخ في  22 اغسطس, 2008

اسمك
Gravatar Preview
Your email:
(Optional) Email used only to show Gravatar.
Your website:
العنوان
التعليق
اضف تعليق  Cancel