نوفمبر30
30 نوفمبر, 2008 
بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق
صار الاهتمام بالتدريب والتنمية البشرية من العلاقات البارزة التي تميز سياسة الحكومة الجديدة، وأصبح أحد الاهتمامات الرئيسية للقادة الإدارية في مواقعهم المختلفة وبمستوياتهم المتباينة، لدرجة يعصب معها أن نجد بالماضي نموذجا مماثلا إذا ما استعرضنا ذاكرة الأمة في هذا المجال.
إلا أن هذا الاهتمام الحالي لا يدعنا نلغي إدراكنا للجهود المبذولة سابقا فهي التي أرست ملامح التدريب الحالي سلبا وإيجابا لذا سيكون تقييمنا للمرحلة الحالية متأثرا بمدى احترامنا لتراث تدريبي نعتز به أو بمدى انشغالنا وتأثرنا بتركة تدريبية لا طاقة لنا بحملها أو تغييرها.
إن استثمار هذا التوجه القومي للاهتمام بالتدريب وتنمية الموارد البشرية بلا شك يرفع من مستوى طموحات المتخصصين والمهنيين العاملين في هذا المجال ويزيدهم أملا في أن يصبح التدريب لغة كل مدير في موقعه، كما أن هذا الاندفاع والحماس الذي نلمسه قد يستلزم كذلك أن نلتقط أنفاسنا للحظة لنعيد النظر ونتساءل عن منهجية هذا العمل ونحن في بداية الطريق للإعداد لما يشبه الحملة القومية للتدريب.
إن قراءة التاريخ الحديث لصناعة التدريب المصرية تسجل انتعاش حركة التدريب في أعقاب حركة التأميم حيث كان الهدف الرئيسي آنذاك هو توفير قيادات إدارية مؤهلة لتولي المناصب القيادية العليا في المؤسسات، الهيئات التي تم تشكيلها أو الشركات التي آلت ملكيتها للدولة، وتم إنشاء العديد من المعاهد القومية للتدريب في مصر، كما ازدهرت المكاتب الاستشارية الإدارية الأهلية في هذا الوقت ومن بين هذه المنشآت التي لعبت دورا بارزا في هذا المجال المعهد القومي للإدارة العليا، لجنة إعداد القادة الإداريين، مركز التدريب الإداري، المعهد القومي للتنمية الإدارية، معهد الإدارة العامة، معهد الإدارة المحلية، مراكز تنمية المجتمع. وأدت هذه المنشآت التدريبية دورها وتخرج منها العديد من الكفاءات البشرية المتميزة التي ما زال بعضها حتى الآن يدير مؤسسات تدريبية متخصصة، وما زالت جماعة خريجي المعهد القومي للإدارة العليا تمثل جسر التواصل بين ما تم إنجازه في تلك الفترة وبين ما يدور الآن من أحداث من خلال أعضائها البارزين ومؤتمرها السنوي الجاد.
تلك هي المرحلة الأولى التي كان التدريب فيها يمثل أحد جوانب وجدان الإدارة المصرية وأحد المجالات التي شغلت مساحة عريضة في عقل وفكر القيادة السياسية وأقصد بها (مرحلة ما بعد التأميم)، (أما المرحلة الثانية فهي تلك التي يمكن أن نطلق عليها مرحلة ) الإدارة بالأهداف (عندما عنيت الحكومة المصرية بتطبيق نظام الإدارة بالأهداف على جهاز الدولة فانتعش التدريب وانتشرت المختبرات السلوكية والإدارية وامتلأت صفحات الصحف اليومية بالإنجازات القومية في مجال الإجارة بالأهداف وتطبيقاتها على مستوى العديد من المنشآت الحكومية وصارت الإدارة بالأهداف حديث المديرين والخبراء والمفكرين.
وتقتضي الحقيقة هنا أن نذكر بأن رائد المرحلتين الأولى والثانية هو الدكتور أحمد فؤاد الشريف الذي كان بفكره وعطائه نموذجا يحتذي فهو الذي أنشأ المعهد القومي للإدارة العليا وتولي إدارته وهو الذي قاد حركة الإدارة بالأهداف عندما كان وزيرا للدولة لشئون مجلس الوزراء والتنمية الإدارية، تلك الحملة التي توقفت بوفاته.
هذا التوقف الذي يجعلنا دائما نطرح السؤال التقليدي لماذا تتوقف المشاريع القومية وتتأثر سلبيا ببعد صاحب الفكر عنها ولماذا لا تستمر هذه المشاريع والكيانات التدريبية العملاقة في النمو والازدهار حتى وإن توالت عليها القيادات. ولماذا يربط البعض الآن بين فشل بعض الوحدات الاقتصادية للقطاع العام وبين عدم كفاءة القيادات الإدارية وهي تلك القيادات التي من المفترض أنها تلقت تدريبا مكثفا في هذه المؤسسات العملاقة للتدريب. ولماذا نضب معين الأمة من القيادات الشابة فجأة فلم يعد لدينا من القيادات ما يكفي لإدارة تلك الأنشطة الطموحة العديدة التي أفرزتها مرحلة الخصخصة والعولمة وما شابه. وما هي العوائق التي منعت القيادات الشابة من الظهور في الماضي ومنعتها كذلك من التعلم واكتساب الخبرة. والسؤال الأهم من كل ذلك هو كيف يمكن تفادي ذلك في الخطة القومية الحالية للتدريب وما هي الآليات والمعايير التي تكفل اختيار القيادات الشابة وحمايتها وصيانتها.
إن الإجابة على تلك التساؤلات تدفعنا إلى أن نضع أمام أعيننا دائما التجارب السابقة ونحن ننشغل بتصميم وإدارة العملية التدريبية على المستوى القومي.
فليست العبرة بإكمال قطع الشطرنج متنوعة الشكل واللون ولكن العبرة بتوفر رقعة الشطرنج التي تتحرك عليها تلك القطع والخطوات المحددة لها.
لذا قد يكون من المفيد هنا إبراز عدة محاور مهنية تسهم في هذا الجهد القومي الحيوي:
1 – إنشاء معهد قومي للمدربين:
التدريب مهنة لها أصول وقواعد ووظيفة المدرب لها خصائصها ومهاراتها في التقديم والعرض، وهي بالتأكيد مختلفة عن وظيفة المعلم أو المدرس وإن كان الأب الشرعي لكليهما هو التعلم Learning إلا أن هناك اختلافا جوهريا بينهما هو أن التعليم Education هو تعليم للصغار والتدريب Training هو تعليم للكبار Adult Learning ولهذا فليس كل معلم مدرب، إن تنفيذ هذه الخطة الطموحة للتدريب تتوقف (كلية) على مدى توفر المدربين المحترفين Professional Trainers ممن لديهم القدرة على نقل المعارف والمهارات والاتجاهات والخبرة والتجربة بصورة مكثفة تعتمد على المشاركة والاشتراك مع المتدرب لا على النقل والتلقين.
نحن نحتاج إلى معهد قومي لإعداد وتفريغ المدربين وهيئات التدريب بتخصصاتها المختلفة (مصمم المناهج التدريبية، خبراء التعلم عن بعد، أخصائي الأجهزة والمعينات البصرية والسمعية، القائمون على تحديد الاحتياجات التدريبية والمقيمين للعائد منه.. الخ).
إن تنفيذ هذه الخطط الطموحة للتدريب يحتاج إلى كوادر فعالة مؤهلة لإدارة العملية التدريبية بفعالية فكيف لنا أن نبدأ في تدريب هذه الأعداد الضخمة وننشئ هذه المراكز التدريبية العديدة أو نبادر بتكليف المراكز التدريبية القائمة بتدريب عشرات الآلاف دون أن يتوفر لدينا فرق أو مراكز لإعداد (محترفي التدريب) Training Professionals.
2 – نشر الفكر التدريبي:
إن الاعتماد على الاتصال المباشر بين المدربين (مهما كان عددهم) وبين المتدربين قد يصبح هدفا بعيد المنال يصعب تحقيقه. إن لم يكن مستحيلا وهو ما يستلزم ضرورة التفكير في آليات نشر الفكر التدريبي بأشكاله المختلفة (إصدارات، أقراص مضغوطة، مكتبات متكاملة، مراكز نشر الثقافة التدريبية، جمعيات أهلية متخصصة، بث ونشر إعلام متخصص.. الخ وغير ذلك من آليات نشر الفكر التدريبي).
فلم يعد من الضروري أن ينتقل المتدرب أو المدرب إلى قاعة ومكان التدريب بعد ما حدث من تطور مذهل في تكنولوجيا المعلومات المبدأ الذي حكمنا هنا هو (إن كان بالإمكان نقل المادة التدريبية إلى المتدرب فلا داعي لانتقال المتدرب إلى المادة التدريبية).
لذا قد يكون من الضروري ونحن بصدد إعداد خطة التدريب القومي أن ندخل في الاعتبار آليات النشر بكافة أشكاله، وأن نعمل على انتقاء الآليات التي تسرع من زيادة معدلات الانتقال Acceleration وأن نستثمر في ذلك الموارد والإمكانيات المتاحة لنا بما في ذلك تخصيص قناة فضائية للإدارة والتدريب والتكنولوجيا أو نخصص بعض صفحات الصحف الرئيسية اليومية لتناول هذه المجالات بالتفصيل.
3 – فعالية التجهيزات والوسائل التدريبية:
قد تكون أحد مجالات التطوير الرئيسية في معظم مراكز التدريب الحكومية أو الأهلية هي تدعيم الأجهزة والمعينات التدريبية المناسبة ونقصد هنا أدوات وأساليب نقل المعرفة والمهارة ابتداء من الأساليب التقليدية ونهاية بالأساليب الأكثر تقدما وتطورا، ولا يمتد هذا القصور إلى الأجهزة فقد Hardware. وإنما إلى أدوات تشغيلها Software.
فكفاءة المدربين مهما ارتفعت ستظل مقيدة بحدود توفر تكنولوجيا متقدمة لنقل معارفهم وخبراتهم للمتدربين، فضلا عن أن توفر هذه المعينات تسهم في توفير وقت التدريب وتزيد من فعالية النتائج المحققة. إن المراجعة الدقيقة لما يتوفر لدى مراكز التدريب من أجهزة معينات من خلال قوائم مراجعة إدارية Training Audit قد تبين لنا مدى مجالات التدعيم اللازمة سواء في الأجهزة ، المعينات، أو القوى البشرية المسئولة عن إدارتها وتشغيلها.
4 – أدوات علمية لقياس العائد من التدريب:
إن الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع القومي لابد وأن تكون محل اهتمام المخططين والمنفذين له، لذا قد يكون من الملائم ومنذ البداية تحديد آليات قياس العائد من هذا التدريب Return on Training سواء كان عائدا اجتماعيا أو اقتصاديا.
فالعمل الذي لا يمكن قياس العائد منه يصعب الدفاع عنه فقد نحتاج هنا إلى تطبيق بعض الأساليب والآليات التي تمكننا بمرور السنوات أن نتأكد أننا بالفعل انتهجنا المسار السليم عندما شرعنا في تدعيم التدريب. وحتى بافتراض استحالة أو صعوبة قياس العائد من التدريب في بعض المجالات فهل هناك تصور أو أدوات لقياس الفاقد نتيجة عدم التدريب.
إن قياس العائد من الحملة القومية للتدريب أو الفاقد قبل الشروع فيها يحتاج إلى أدوات ومعايير موثقة ويحتاج كذلك إلى مبادئ عمل رئيسية يلتزم بها القائمون على تنفيذها ومن بين أهم هذه المبادئ:
(1) ارتباط التدريب باحتياجات المتدرب فكلما زاد الارتباط كلما زاد التعلم وارتفع العائد من التدريب.
(2) محاكاة التدريب لواقع المتدرب فكلما زادت المحاكاة كلما زادت سرعة نقل التدريب لحيز التطبيق.
(3) تقليل الفجوة الزمنية بين وقت ظهور نتائج التدريب ووقت تطبيق هذه النتائج في الواقع.
إن فعالية الحملة القومية للتدريب ستتوقف على هذه الثلاثية الحاكمة (الوفاء بحاجات المتدرب – ارتباط المحتوى التدريبي بواقع العمل المباشر – آليات تحويل نتائج التدريب في الواقع العملي) وستتوقف كذلك على تعلمنا من تجارب الماضي.
فنحن حقا في مصر على مشارف عصر جديد أو حلقة جديدة من الاهتمام بالتدريب أو بالأحرى مرحلة ثالثة كانت الأولى بعد التأميم 1961 والثانية الإدارة بالأهداف 1976 وها نحن نلمس هذا الجهد الهائل الذي يبذل بالمرحلة الثالثة (التدريب الشامل) الذي نأمل أن يأخذ في الاعتبار ما ورد في هذا الطرح أو يزيد ويفتح المجال لتبادل الرأي والحوار وتجنب الاندفاع وراء الإنجازات الرقمية حتى لا ينتهي الأمر بمجرد إصدار جديد لعملة قديمة.