نوفمبر30
30 نوفمبر, 2008 
بقلم دكتور عبدالرحمن توفيق
المكاتب والشركات غير الملتزمة العاملة في مجال التدريب والاستشارات الإدارية في مصر صارت تتزايد وتنمو عشوائيا بلا ضوابط مهنية تحد من الخلل الذي صار يميز أداؤها أو الخبرة الفاسدة التي تقدمها إن كان هناك خبرة. صارت هذه المكاتب مثل الأعشاب الضارة التي يصعب اقتلاعها، لا معنى لها، تستفيد من كل فرصة للتحرر والخصخصة وتشارك المؤسسات الجادة وتنافسها وغالبا ما تتغلب عليها أو تتفوق أو على الأقل تزاحمها. تفوز بفرص تدريبية أو استشارية وبعقود ومناقصات أو مزايدات محلية أو عربية لا لأنها تقدم شيئا ذا قيمة ولكن لأنها تقدم خدمة فضفاضة بلا ضوابط قد تروق لبعض المستفيدين من ناحية ولا يوجد ما يمنعها من ذلك من ناحية أخرى. كما أنه ليس هناك ما تخشى من فقده أو يمنع من انطلاقها في ممارسات غير مهنية تضمن لها الاحتفاظ بالعمل والعميل.
ساعد على انتشار هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة أن الصناعة التي تعمل بها وهي صناعة (التدريب والاستشارات) لا يوجد ما يقننها أو يحدد ملامحها بل إن كثيرا ما يطلق عليها البعض صناعة (السمك في الماء)، غير معلومة الخصائص أو السمات. فضلا عن غياب الجهة المسئولة عن تنظيمها. فلا يوجد من يجيز العمل بها أو يصدر تصاريح لها أو يوافق على صلاحية القائمين على العمل بها. إن إنشاء مكتب استشاري أمر غاية في البساطة لا يحتاج سوى بطاقة ضريبية لفرد أو لشركة محاصة أو توصية بسيطة وحساب في البنك يسهل التعامل مع الشركات والمؤسسات طالبة الخدمة واسم وشعار براق جذاب يفيد بأن صكوك الغفران الإداري موجودة لدى هذه الشركة ووفق احتياجات العميل بغض النظر عن هوية القائمين على هذه الشركات أو كفاءاتهم.
بل إن هذه الشركات تتنافس في اختيار أسماء لها ليس لها من الواقع نصيب، فجميعها تتحدث نفس اللغة (المركز العربي/ المركز الدولي/ المدير العربي/ المركز العالمي) دون أن يكون هناك من ضابط لاختبار مدى دلالة الاسم ومعناه وهنا تبدأ أولى خطوات الغش المهني. ويقول البعض أنه طالما أن أدوات التدريب والاستشارات واحدة ومحددة ويمكن اقتناؤها والتعامل بها، وليس هناك من أسرار أو خبرات متخصصة أو أفكار جديدة تحتاج إلى متخصصين وكل ما نحتاجه على حد تفسيرهم هو مكتب وتليفون وفاكس وسكرتارية ومادة تدريبية (قديمة، منقولة، مترجمة، مسروقة أو مقتبسة) ومدرب جوال ينتقل بين المكاتب الاستشارية ويحتفظ في حقيبته بمجموعة من الأدوات التي يقوم بتقديمها مرات ومرات كما لو أن يفسر الماء بعد الجهد بالماء، إذن فالأمر يسير ولا يوجد ما يمنع من توقفها وهكذا يستمر هذا الهدر والتهديد لهذه الوظيفة الراقية.
لذا من المتوقع أن تواجه أو تصاف بعض النماذج في عالم التدريب التي ليس لها من الصدق أو المهنية أو ركائز العمل الملتزم أي نصيب.
بل أن السؤال التقليدي الذي يتردد دائما حول فعالية العملية التدريبية أو مردود التدريب أصبح في حقيقة الأمر سؤال بلا مضمون.
لأن تحقيق العائد والمردود مرتبط بسلامة المدخلات ودقة اختيارها في حين أن الخلل في معطيات العمل التدريبي الحالي يسهم بقدر كبير في إثراء هذه الخلل وتدعيمه..
وبالتالي إرساء ركائز هذه المكاتب التدريبية الطفيلية التي تعبث في وضع النهار بعقول المتدربين وآمالهم.
يدعم هذا الخلل عدم (رؤية) طالب الخدمة.. مدير التدريب أو عدم (قدرته) على التمييز بين العمل الجاد والجيد والعمل غير المهني أو غير الملتزم أو أحيانا عدم (رغبته) في ذلك باعتبار أن المصلحة الشخصية قد تقتضي التعامل مع أصحاب مدرسة (حيث التدريب متعة) بمعانيه المختلفة. إن استمرار هذا الوضع (تبادل المنفعة والمصالح) بين طالب الخدمة ومقدمها يمنع من احتمالية تطوير وتعديل أداء هذه الشركات ولا سيما أنه لا يوجد ما أو من يطورها أو يعدل من مسارها ويضع أقدامها على الطريق السليم أو من يتبنى هذه القضية ويرسم ملامح (المهنة) للتدريب، ولتقريب الصورة نأخذ مثلا الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية وكيف تطورت المهنة بها. في عام ذ970 شكلت لجنتان تهتمان بموضوع المهنية في الجمعية الأمريكية للتدريب والتنمية. اللجنة الأولى هي لجنة معايير وأخلاقيات المهنة والتي اقترحت دليلا أخلاقيا ومجموعة من المعايير المهنية، وقد تبنى مجلس الإدارة (الدليل الأخلاقي Code of Ethics)، وقامت المعايير المهنية على أساس معايير محددة للعضوية وفق الدرجة العلمية للعضو وسنوات الخبرة في مجال التدريب. أما اللجنة الثانية وهي لجنة التخطيط طويل الأجل فقد اقترحت تشكيل فريق عمل لبحث وضع برنامج رسمي معتمد (يمنح شهادات) لممارسي التنمية والتدريب على أساس فحص واختبار المعارف والقدرات وتوصلت اللجنة إلى أن تأهيل التدريب لمستوى المهن يستلزم توفر المعايير التالية به:
1) هيكل معرفي متخصص.
2) توصيل الهيكل المعرفي للمتخصص.
3) تنظيم مهني قوي.
4) معايير خاصة بأعضاء المهنة.
إن استعراض هذه المكونات الأربعة التي توصلت إليها الجمعية الأمريكية للتدريب والتنمية (ASTD) كانت نقطة البداية للتحرك باتجاه تحويل التدريب بالولايات المتحدة إلى مهنة. والملفت للنظر هنا أن الذي اضطلع بهذا البدور هو الجمعية الأمريكية للتدريب والتنمية مما يشير ويفيد بأهم وطبيعة دور الجمعيات المهنية المتخصصة في بناء الكيان المهني بدلا من انشغالها بالأعمال التنفيذية التقليدية التي قد تنافس بها الأعضاء المنتمين إليها.
بل والأكثر والأكثر من هذا، قامت الجمعية الأمريكية باعتماد مفهوم المهنة من خلال (مؤتمر قومي عقد في هيوستون – تكساس عام 1972)، وانتهي المؤتمر بوضع المعايير المهنية اللازمة لبرنامج تطوير الخبراء الممارسين يقوم على ثلاثة محاور:
1 – دليل تدريبي لمديري المهنة.
2 – برنامج يمنح درجة التدريب على المستوى القومي.
3 – تبني واعتماد الشهادات الرسمية المهنية.
وهنا أيضا ندرك أن قضية بناء مهنة للتدريب لا يأتي عنوة ولا يفرض قسرا، لا يحتاج لصوت عال قدر ما يحتاج إلى آليات وجمعيات قوية ومؤثرة. تأخذ بناصية الأمور علميا وعمليا وتأخذ طابعا قوميا ولا يتوقف عند حد الاجتهادات الشخصية أو النقابية أو حتى الوزارية.
بل أن من الأمور المثيرة للدهشة أيضا أن الجمعية الأمريكية شكلت لجنة مستقلة باسم (لجنة التنمية المهنية) في عام 1976 لدراسة القدرات المطلوبة للأداء الفعال في التنمية والتدريب وانتهت بأن المخرجات الأساسية في مجال التدريب والتنمية عددها (102) مخرجا وأن القدرات اللازمة لممارس التنمية والتدريب هي (31) مهارة.
لنا أن نتصور حجم الفجوة بين ما هو قائم وما هو مستهدف، ولنا أيضا أن نصدق أن التدريبي ((مهنة بلا مهنة)) طالما أنها تفتقر لكل العناصر المكونة للمهنة.
لقد انعقد المؤتمر القومي الأول للجمعية الأمريكية للتدريب والتنمية في مدينة شيكاغو في سبتمبر 1945 وضم المؤتمر 51 من الممارسين في مجال التنمية والتدريب ومنذ تلك البداية المتواضعة توسعت الجمعية وأصبح عدد أعضائها يزيد عن 33000 عضو أكثر من 10.000 منشأة، وأصبحت الولايات المتحدة هي قبلة المهتمين بهذا المجال وأصبح المؤتمر السنوي للتدريب هو المرشد والمنار لهذه المهنة على مستوى العالم.
إن الجهود الفردية تحتاج إلى دعم رسمي ومؤسسي يعظم من الفائدة المرجوة ويحافظ على درجة الحماس والاهتمام ويحفظ للمبادرات الإبداعية رونقها وعطاءها.
إن انعدام وجود هذا التنظيم يعني غياب الضوابط المهنية اللازمة لاحترام المهنية ودعمها، ويعني تشتت الجهود وتناثرها. وليس أدل على ذلك من المؤسسات والمراكز التدريبية الحكومية كالمعاهد والمراكز التدريبية والجمعيات المتخصصة، كجمعيات إدارة الأعمال، الجمعية العربية لإدارة الأعمال ، اتحاد الجمعيات، جمعيات مستثمري المدن الجديدة، أو منظمات عربية كالمنظمة العربية للتنمية الإدارية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، أو المؤسسات والشركات الخاصة، والتي يزيد عددها على ثلاثمائة مؤسسة تعمل كما لو أنها مؤسسات متنافسة، جميعها يتكالب على مجوعة الاحتياجات التدريبية (الشكلية) ويدرك أن الوفاء بها وفاء للشكل لا استجابة للمضمون، وإن كان الأمر غير ذلك، إذن ما هو تفسير هذا التدريب المستمر الذي تؤديه هذه المؤسسات منذ عشرات السنين، وما هو العائد الذي تحقق وأين هي الوفورات التي تحققت بالمصانع والمؤسسات، وأين هي القيادات الإدارية التي أفرزتها المناهج التدريبية الطويلة، وإن كانت هذه النتائج أو الثمار قد ظهرت فكيف الوصول إلى معرفتها وما الطريق إلى نشرها وتداوها والتعلم منها. ظواهر عديدة تؤكد حاجة مهنة التدريب إلى التدعيم السياسي والمهني على المستوى القومي ومن هذه الظواهر على سبيل المثال لا الحصر:
1) إن العاملين بمهنة التدريب في معظمهم ليس لديهم منظمة أو مؤسسة أو جمعية أو تنظيم مهني يجمعهم، فهم قد ينتمون إلى نقاباتهم المهنية (كالطب والهندسة، والتجارة) ولكن أين هي المنظمات المهنية المتخصصة التي تعمل من (أجل تدعيم المهنة) التي تجمع كل هؤلاء على أن تحتفظ بهذا الدور وتصر على هذه الرسالة ولا تتحول بمرور الوقت إلى جهة منافسة للمنظمات الأعضاء المنتمية إليها وتتحول من الرسالة إلى التجارة.
2) ما هي قيمة المواد التدريبية أو حتى الشهادات التدريبية التي تمنحها هذه المؤسسات ولا سيما أن غالبية هذه المواد أو الكثير منها على أحسن تقدير منقول من مراجع عربية أو أجنبية أو مترجم ينقل فيه المدربون عن بعضهم البعض نقلا في السر أو العلن وينسب كل منهم ما يقدمه إلى نفسه دون ضابط معياري يجيز أو يعتمد هذه المؤسسات أو هذه المواد ودون توفر آليات للتجديد والتطوير. لذا ليس من المستغرب أن تجد بعض المواد التدريبية المترجمة التي بدأ التدريس بها أو استخدامها في فترة الستينيات مازالت حتى الآن تدرس داخل قاعات التدريب كما لو أن العالم توقف عن العطاء وأن قلب المهنة قد سكت في ذلك التاريخ. والغريب أن الجميع يتحدث عن الحقوق المحفوظة للتأليف والمؤلف، وأرى أن الحقوق المحفوظة هي للمتدرب وليس للمدرب، الحقوق محفوظة له إذا اكتشف أن ما يتلقاه ليس علما أو خبرة إنما تاريخ وتحيزات شخصية وأوراق تدريبية صفراء كانت تدرس جامعات أمريكية في فترة الخمسينيات، بل أن مراجع بعض المواد التدريبية تعود إلى دوريات أمريكية متخصصة صدرت في الأربعينيات.
3) مستوى المساعدات التدريبية المساندة للعملية التدريبية وكيف يمكن الوصول إليها، هل من دليل يدل العاملين في هذا المجال على أماكن إنتاجها وتطويرها ونشرها، هل من منظمة مسئولة عن إصدار دليل سنوي عن العاملين في مجالات التدريب والتنمية، وهل لدينا دليل متطور يشمل جميع العاملين في هذه المهنة ويدلهم على البرامج والمؤتمرات والمنتديات الدورية.
4) مستوى التنسيق الموجود الآن بين المؤسسات التدريبية والتعليمية المختلفة المعنية بالتنمية البشرية في مجال المؤتمرات السنوية، جميعها يتم تنفيذه على مدى فترات قصيرة متقاربة وبموضوعات متشابهة وبمحاور شديدة التقارب حتى أصبحت أشبه بالأسواق التجارية الأسبوعية التي تعرض بها نفس البضائع لنفس التجار ويفد إليها نفس الأشخاص يتذاكرون ويذكرون ويلعبون نفس الأدوار بين سائل ومهاجم ومستفسر ومشارك في لجنة التوصيات ومتلهف على حقيبة الأوراق العلمية.
لقد شهد شهر أكتوبر ونوفمبر عام 2000 أربعة مؤتمرا في مجال التدريب وشهر مارس الماضي كذلك نفس العدد من المؤتمرات وأصبح تزاحم هذه المؤتمرات وتعددها مربكا للمهتمين ومانعا للإعلام عن تغطيتها بصورة مناسبة ومدعما لروح التنافس المرهق بين هذه المؤسسات.
هذه الأسئلة أو مجالا التطوير العاجلة هي:
1- لماذا تأخر تقنين مهنة التدريب إلى الآن: وما هي دوافع هذا التأخير موضوعيا؟
2- لماذا لا يصدر قرار جمهوري بإنشاء المجلس القومي لاعتماد مؤسسات ومراكز التدريب أسوة بالقرار الجمهوري الخطير الذي أصدره السيد رئيس الجمهورية بإنشاء المجلس القومي لاعتماد مكاتب منح شهادات الجودة.
3- لماذا لا يتم دعم المكاتب الاستشارية الجادة، وتقنين عملية التدريب حتى تقلل من الفاقد والتالف في العملية التدريبية نفسيا ووجدانيا؟
4- لماذا لا يعهد بتنظيم المؤتمرات المتخصصة إلى إحدى الهيئات بهدف التنسيق وإدارة هذه المؤتمرات.
5- لماذا لا يوجد ميثاق لمهنة التدريب يحميها من المكاتب العشوائية الشبيهة بمكاتب سماسرة العقارات أو دكاكين الفيديو التي باتت تنتشر من المهندسين إلى ضواحي الحي العاشر بمدينة نصر.
6- لماذا لا تضطلع نقابة التجاريين ووزارة التنمية الإدارية بالدور الرئيسي في التنظيم لمؤتمر قومي لإعلاء كلمة التدريب مهنيا حتى يذهب الزبد جفاء ويمكث في الأرض ما ينفع الناس.
كل هذا ليس بجديد ولا مستحيل ونحن نتحدث عن مهنة التدريب التي لها تاريخ عريق.
ويبقي فقط أن نحدد نقطة البداية..
فهل يوجد من يعلق الجرس في رأس التدريب؟