نوفمبر29
29 نوفمبر, 2008 
بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق
ستبقى المؤسسات اليابانية هي قبلة الغرب للتعرف على أسرار تميزها وتفوقها وإنطلاقها …
كما ستبقى كذلك منافسا عالميا حادا وجادا في الوقت نفسه، وما زال السؤال حول تميزها وأسراره باقيا بلا إجابة واحدة صحيحة، بل إجابات عديدة محتملة ولعل من بين الإجابات الجديدة التي جاءت لتفسر سر هذا التميز هو قدرة المؤسسات اليابانية على خلق المعرفة التنظيمية Organizational Knowledge Creation دون أن ينفي هذا التفسير بطبيعة الحال أثر باقي العوامل الأخرى المؤثرة على النجاح.
لكنه إتجاه جديد يعكس أهمية المهارة والخبرة والمعرفة كمدخلات إضافية للتميز الإداري، ويقصد بخلق المعرفة التنظيمية أن تكون المنشأة ككل قادرة على خلق معرفة جديدة والعمل على نشر هذه المعرفة بين ربوع المنشأة من ناحية، وأن تعكس منتجاتها وخدماتها ونظمها هذه المعرفة التنظيمية الخاصة من ناحية أخرى. إن هذا الإتجاه لمبررات تميز المؤسسات اليابانية يدحض الطرح الغربي الذي ركز على أن التقليد والمحاكاة وليس الإبداع والتجديد كانا السبب وراء التفوق الياباني وتحقيق الصناعات اليابانية لهذه المزايا التنافسية الملموسة عن غيرها. في حين كان توالي الإبداعات اليابانية في الصناعات المختلفة – ولا سيما صناعة السيارات – هو أحد سمات التقدم التكنولوجي على مدى الخمسين عاما الماضية.
ولعل السر وراء تبني المؤسسات اليابانية فكرة الإبداع المستمر Continuous Innovation هو رغبتها في التخلي عن الأفكار التى ثبت نجاحها وليس العكس كما يقودنا إلى ذلك التفكير المنطقي أو بالأحرى التفكير الرياضي . ولا تخص هذه الظاهرة المؤسسات اليابانية فقط، ولكنها كانت سمة المؤسسات الناجحة أينما وجدت حيث يصبح التغيير بمثابة السمة لهذه المؤسسات والقوة الإيجابية المستمرة التى تلقى كل الترحيب والدعم، بخلاف المفهوم التقليدي السائد عن مقاومة التغيير خوفا من التهديدات التى تترتب عليه نفسيا وماديا.
ولكوننا نعيش اليوم في عالم يتسم بعدم التأكد، فإن رغبة المؤسسات في هجرة التجارب الناجحة وتركها وعدم التمسك بها يدفعها للبحث عن مصادر المعرفة Knowledge المختلفة: المستهلك، المورد ، الحكومة ، وكذلك المنافسين تماما كالغريق الذي يبحث عن قشة لإنقاذه، وهي في مؤسسات أخرى القشة نفسها التي تقصم ظهرها إذا ما تمادت في التمسك بآليات النجاح القديمة السابقة.
إن التراكم المعرفي لهذه المؤسسات هو الذي خلق لها هذه السمة التى نطلق عليها (المعرفة التنظيمية ) ومكنها من نشرها في أرجاء المنشأة من خلال قنوات وجسور لتحويلها من الخارج إلى الداخل وتمهيدا لإعادة بثها مرة أخرى بثا مباشرا إلى البيئة المحيطة في شكل سلع وخدمات وأفكار ونظم، لقد كانت المعرفة الداخلية والخارجية هي وقود الإبداع المستمر للمؤسسات اليابانية الناجحة وأحد أهم أسباب تميزها وتفوقها.
ويدفعنا هذا التفسير إلى مزيد من التفكير والتأمل حول قضية التنمية الإدارية والبشرية في مصر بحثا عن نسق فكري يلائم مرحلة التطور الإقتصادي والإجتماعي الذي تشهده مصر الآن. فالمؤسسات الناجحة تسعى للتوقف عن ممارستها الناجحة مدفعوة في ذلك بالية الإبداع المستمر وبيئة المعرفة التنظيمية لتصل إلى نقطة تميز جديدة ما تلبث أن تتخلى عنها بحثا عن ما هو أكثر إثارة.
نحن في هذه المرحلة للإنطلاق الوطني قد نكون بحاجة إلى دعم مفهوم خلف المعرفى التنظيمية لدى المؤسسات المصرية بكافة أشكالها. وقد يكون ذلك من خلال تنشيط آليات إبداع المؤسسات المصرفية وشعورها بأنها مؤهلة لترك تجاربها القديمة (حتى ولو كانت ناجحة ) وقد تكون كذلك أكثر إحتياجا إلى معرفة الإدارة ونشرها وبثها في ربوع العقل المصري من المهد إلى اللحد ومن الطفولة للشيخوخة وبين أفراد الأسرة الواحدة.
إن معرفة الإدارة تستلزم تحويلها إلى لغة حياة ولغة حوار تماما كما نفعل بلغتنا الأم أو اللغات الأجنبية أو لغة الإشارة بين فاقدي النطق أو رجال البورصة..
هذه اللغة التى تحتاج إلى مناهج إدارة متدرجة تدرس من الطفولة حتى التخرج في الجامعة تحتاج إلى موسوعة إدارية مصورة للمدير الصغير تحتاج إلى أفلام ثقافية إدارية تدعم برامج الأطفال، تحتاج لقسم عن إدارة الأعمال والمدير الشاب في مكتبة الأطفال ومكتبة الأسرة، تحتاج كذلك إلى لقاءات دورية بالنماذج الإدارية الناجحة لشباب رجال الأعمال وفوق كل ذلك تحتاج إلى زرع قيمة التخلى عن الأفكار الناجحة في الماضي وإستبدالها بقيم التغيير والتبديل والتطوير والإبداع.
إن معرفة الإدارة هي نقطة البداية للإدارة بالمعرفة، وتحويل ذلك إلى خطة عمل هو نقطة البداية للإجابة على السؤال التقليدي: لماذا تأخر حتى الآن النموذج العالمي للإدارة المصرية ؟؟ ..