بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
نوفمبر23


23 نوفمبر, 2008 RssIcon

منذ فجر التاريخ والجريمة تعد جزءا لا يتجزأ من التصرفات ذات الدوافع والسلوكيات الإنسانية المتبانية، فتارة يكون الدافع لها هو الهروب من موقف أو من حالة معينة، وتارة أخرى يكون الدافع وراء ارتكاب جريمة قتل هو الدفاع عن النفس. ولم تشهد البشرية قط مجتمعا مثاليا خلا من الجريمة بأشكالها المختلفة، كما لم يتوقف الجهد البشري المنظم عن العمل للسيطرة على الجريمة بصورها العديدة.
وسوف تظل هذه العلاقة دائما محل اهتمام وانشغال قادة الفكر والمجتمع بهدف تحقيق مجتمع الرفاهية والاستقرار الذي يسعى إليه كل منا في مجاله. إلا أن المجال الذي أود التركيز عليه هنا هو ظاهرة القتل الخطأ التي بدأت تتزايد صورها وتتعدد أشكالها في مجتمعنا وصار لزاما علينا أن نعيرها قدرا أوفر من الاهتمام.. فلقد أصبحت أشبه ما يكون بالألغام المنتشرة التى لا تنفجر إلا بعد أن تطأها الأقدام وبات من الضروري أن تلقى الاهتمام الذي يجعلنا نعرف كيف نتعامل معها ونبطل مفعولها قبل إنفجارها بل أن هذا الاهتمام لا يقل قدرا عن العناية التي يوليها المفكرون والمصلحون الاجتماعيون للظواهر الاجتماعية السلبية الخطيرة الأخرى مثل الأمية من أجل اقتلاع جذورها من مجتمعنا.
وللقتل الخطأ مظاهر وأشكال عديدة يصعب حصرها وإن كان معظمها يتركز في حوادث الطرق التى يصل عدد القتلى في مصر بسببها إلى 5 آلاف قتيل سنويا، والقتلى غرقا في حمامات سباحة الأندية ومدارس رياض الأطفال، والمرضى في غرف العمليات الذين يفقدون حياتهم بسبب خطأ في عملية التخدير والصبية الذين يفقدون حياتهم أثناء عبور خطوط السكك الحديدية أو الضرب المبرح عقابا أو رياضة وقتلى الأعيرة النارية الطائشة في الأفراح وحفلات الزفاف وغير ذلك من الصور العديدة التي لم يكن مرتكب الحادث فيه متعمدا قتل المجنى عليه.
لقد آن الأوان لمظاهر عديدة أن تختفى من مجتمعاتنا ومنها الخبر الذي تطالعنا به الصحافة من حين لآخر وبنفس الصياغة تقريبا (أطلق النار ابتهاجا بالعرس فقتل العريس وأصاب العروس أو ) مقتل وإصابة بعض المصطافين نتيجة رعونة عدد من الشباب القاصر اجتماعيا وذهنيا ) وغير ذلك من مظاهر الإهمال التى تتسبب في تكرار حوادث القتل الخطأ فالبالوعات غير المغطاة ، والأسلاك الكهربائية العارية، وحمامات السباحة بلا إشراف، والمدن السياحية بلا حزم، واللنشات فائقة السرعة بلا ترخيص قيادة أو ترخيص مركبة، والتأخر في استخراج تصاريح هدم العقارات المتهالكة تعد مجرد أمثلة على ما يمكن أن يؤدي بسببه الإهمال إلى ما يطلق عليه في النهاية (قتل خطأ ) إنه بالأحرى قتل يسبقه إهمال .. بل يسبقه كذلك توقع وقوع الكارثة أو المأزق أو الأزمة.
ومن الأسباب الرئيسية التى تسهم في عدم فهم وعلاج هذه الظاهرة.
أن التصرفات والإجراءات التى تتم دائما ما تأتي من مستوى أقل من مستوى وحجم المشكلة، لذلك تستمر المشكلة بلا حد دائم ..
في حين أن علاجها يستلزم أن تأتي الحلول بمستوى أعلى من مستوى المشكلة حتى نتمكن من القضاء عليها، ومثال ذلك ضرورة إسهام القنوات المتخصصة في التعليم في حل مشكلة الدروس الخصوصية.. حيث لابد أن يأتي الحل والعلاج من مستوى أعلى من مستوى المشكلة محل النظر، عن طريق إلغاء امتحانات النقل أو امتحانات نهاية العام، هذا الاقتراح الذي تجرى دراسته، ولو اعتمد وطبق سيجهض الدروس الخصوصية ربما إلى الأبد.
كذلك الأمر بالنسبة لمشكلات القتل الخطأ، فإنها تحتاج إلى التصعيد بهدف الحل وليس بهدف تهدئة يعقبها نسيان . ومن بين أمثلة التصعيد التى أعقبها حل، محاولة ضبط وتقنين الهدم وتعديل البناء عقب حادثة انهيار عمارة مصر الجديدة والذي تبين فيما بعد عدم دستوريتها وكذلك ما استقر عليه الرأي حول منع استخدام جيت اسكي وبيتش باجي ) بالمدن الساحلية والتى ما زالت تصول وتجول.
ومن ناحية أخرى فإن هناك أمثلة عكسية لمشكلة يأتي حلها من مستوى أقل من المشكلة نفسها، وهي مشكلة سرقة السيارات التى بالتأكيد تحتاج لمستوى علاج أعلى من مستوى المشكلة حتى تختفي ظاهرة ضبط وإعادة ضبط نفس المتهم بنفس التهمة أكثر من مرة على الرغم من أنها تعكس كفاءة الضبط أو الرصد لمرتكبي الحادثة، كذلك مسألة الباعة المتجولين وعدم التزام سائق التاكسي ( بالعداد ) .
نحن نحتاج إلى أن تتولى كل جهة إدارية النظر حولها في مجالات الإهمال والتسبب التى قد تؤدي إلى القتل الخطأ وتعمل على السيطرة عليه لنقلل من إزهاق الأرواح بلا مبرر أو لخطا يمكن تفاديه تماما كما نفعل عندما نزيل لغما قبل انفجاره.
والانتحار خوفا من العقاب أو الاضطهاد هي ظاهرة تدعو للتساؤل والانتباه، تلميذ بالابتدائي يلقى مصرعه ويصاب زميله بالتسمم بعد أن تناولا مبيدا حشريا للانتحار خوفا من عقاب المدارس لعدم حفظهما لجدول الضربن وطبيب ينتحر بسبب اضطهاده رؤسائه له، وخريج حديث يقتل عمدا ليدخل السجن إن تمادي الإحساس بالقهر النفسي والخوف من العقاب أو عدم تحمل تعذيب النفس يعد من بين الدوافع الرئيسية للتصفية الجسدية الذاتية أو الانتحار. إن المغزى وراء هذه الحوادث عظيم، ولا سيما إذا تخلينا إمكانية احتمال وجود حالات أخرى عديدة تعاني من نفس المأزق النفسي ولم يتح لنا أن نعرفها لأنها لم تصل بعد إلى هذا الحد المأسوى التراجيدي ولأن هذه الحالة يصل إليها المرء بعد أن يكون قد استنفذ كل مجالات الرجاء والأمل والشكوى ولم يجد من ينصت إليه باهتمام ولم يجد من يخلصه من جلاده الذي ضحى به أو أجبره على التضحية بنفسه منتحرا.
كثيرا ما نهمل الاستماع باهتمام إلى بعض شكاوى أبنائنا أو مرؤوسينا بدعوى ( أننا دائما على حق ) وأننا أصحاب السلطة وأن عليهم دائما الاستجابة إلى ما نقول وهو افتراض خاطئ يترتب عليه رغبة الفرد في الإطاحة بطموحات وآمال الطرف الآخر وهو في طريقه لتحقيق أهدافه الشخصية …
إن تقديم الاعترافات حتى بالإنجازات الصغيرة يعد دافعا هاما للفرد لكي يحقق الإنجازات الكبيرة، حتى ولو كانت هذه الإنجازات غير ذات مردود حيوي. وليس أدل على أهمية هذه الفكرة من أن الفكر الإداري الحديث ينادي بتأكيد معنى التصعيد، حيث أطلق عليها Pyramiding أي نقل الأثر الإيجابي من أسفل ورفعه إلى أعلى، إلى الوالدين إلى الرؤساء، إلى من هم في قمة الهرم. بل أن هناك ممارسة أداء هامة يلتزم بها قادة التغيير في المؤسسات الكبيرة وهي قيمة دعم المرؤوسين Empowerment بالقوة والسلطة وتزويدهم بالاعتراف والتقدير بما يمكنهم من التميز والإبداع. إن الإفراد والتمادي والاستمرار في تأنيب الآخرين وإشعارهم بالمرارة والألم النفسي وتحويلهم إلى أقزام بشرية عادة ما ينتهى بنا إلى السيطرة عليهم وينتهى بهم إلى احتقارنا أو كراهيتنا.
إن ما حدث يستوجب الإنتباه الشديد ويجعلنا نتساءل عن مدى المسئولية ونوع المساءلة ومدى توفر أساليب رقابية تحول الاجتهاد الشخصي إلى مناهج علمية موضوعية تخرج التابعين لهؤلاء الرؤساء من قبضة السيطرة الذاتية المدمرة.
كيف يمكن أن نضمن عدم تكرار ذلك؟ وكيف لنا أن نتصور أننا نفقد هؤلاء الأشخاص بهذه الطريقة؟ إن ذلك قد يفقدنا قيما اجتماعية طالما كنا ننادي بها، وكيف أن قضية التربية لا تتجزأ وأن المسئولية عن بناء الإنسان والشخصية المصرية هي مسئولية المؤسسات جميعا.
يجب أن تعتمد طريقة التقييم على مقاييس موضوعية كما يجب أن نستند طريقة العقاب إلى أسس تربوية.
ترى كم من الأبناء يشعرون بالعجز تجاه إمكانية تحقيقهم أحلام آبائهم وكم من أسر مصرية اعتبرت رسوب أحد أبنائها نهاية العالم ؟ وكم منا اعتبرته أسرته فاشلا عندما لم يحقق أعلى الدرجات وفي نفس الوقت كم عدد الذين حاولوا ارضاء رؤسائهم على حساب مصلحة العمل ؟ ..
ففقدوا احترامهم لأنفسهم وضلوا الطريق السوي في التعامل مع الآخرين وفقدوا قيم التكافل والمودة .. وهم في سعيهم إلى التميز والتفوق ؟ وكم منا من تعالى عند مقابلة موظف جديد يسعى للتعيين أو حتى رفض مقابلة شاب يحتاج إلى عمل ؟
انتبهوا أيا السادة ليست العبرة بأن نعيش معا في مكان واحد ولكن العبرة بأن نشعر بقيمة ومعنى الحياة .. ففاقد الشئ لا يعطيه حتى لا نغتال بعض القيم وينتحر بعض الأبناء خوفا ويفضلون قضاء باقي العمر هربا أو خوفا خلف قضبان السجن أو أسوار الإدمان وبهم قد تفقد مصرنا العزيزة فرصة من فرص التقدم والنمو المرتقبة على أيدي أحد أبنائها …

بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق

1 التعليقات...


Gravatar

رد: القتل خطأ والانتحار هربا مع سبق الإهمال والتوقع ..

shokran ya dktor 3ngd sa3dtne fe 7l wthefet alt3beer thx.... :D

بواسطة sara في  05 فبراير, 2012

اسمك
Gravatar Preview
Your email:
(Optional) Email used only to show Gravatar.
Your website:
العنوان
التعليق
اضف تعليق  Cancel