بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
نوفمبر16


16 نوفمبر, 2008 RssIcon

الخوف هو إحدى الغرائز الإنسانية التى يولد بها الإنسان فليس منا من ولد بلا خوف أو من لم يبك عند الميلاد وإذا لم نجد شيئا نخشاه فإننا نصنع الخوف بأيدنا ونقول إنني خائف أو خائفة من شئ ما (. والأمثلة الشعبية التى تؤكد الخوف كثيرة تمام كالأمثلة التى تؤكد الشجاعة فعندما نخاف نقول ) من خاف سلم وأمشي سنة ولا تخطي قنا وعندما لا نخاف نقول العمر واحد وليس منا من سيتوفي أجله ناقصا ساعة أو ثانية ).
الخوف أيضا هو وسيلة للبقاء .. فنحن نخشى المخاطر ونهرب عند اقتراب الشر منا ونلوذ بالفرار عندما تتهدد حياتنا أو نوشك على الهلاك وهذا الخوف الطبيعي قد يزيد ويزداد فيتحول إلى خوف قهري أو مرضى كمن يبقى طول العمر خائفا من الفشل أو من الأماكن المغلقة أو المظلمة أو من الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب أو حتى الحشرات المنزلية ‍‍ فكم من ربات البيوت اللاتي يهربن من أمام حشرة أو تتوقف أنفاسهن عند رؤيتها .
وهناك أيضا الخوف الإداري الذي نشاهده ونلمسه أحيانا في مواقع العمل المختلفة والذي يأخذ صورا عديدة كخوف المرؤوس من رئيسه وخوفه من نفسه وأيضا خوف الرئيس من المرؤوس وجميع هذه الحالات تنتهى بأن يهدر جزء رئيسي من طاقة الفرد للتكامل مع هذا الخوف وتملي عليه أحيانا ضرورة اتباع بعض الأساليب الإدارية الذكية التى تؤمن له يوما إداريا بلا خوف أو بالأحرى بلا مشاكل وأحيانا في النهاية بلا عمل ) .
إن أبسط طريقة لتقليل الخوف هي الابتعاد عن مصدره
فإن كنت تخشي سقوط الطائرة فأفضل طريقة هي عدم السفر بها، وإن كنت تخشى رئيسك فإن أفضل طريقة هي الابتعاد عن طريقه ، ومن يخشى مرؤوسيه يصبح تجاهله لهم من بين الطرف المثلى للسيطرة على خوفه، أما إن كان عليك أن تتعامل مع مصادر خوفك حيث لا بديل لك عنه. . فعليك بالبحث عن آلية أو طريقة للسيطرة عليه ولو مؤقتا، وعليك أيضا باستخدام أساليب إزالة الضغوط النفسية المسببة لهذا الخوف. فخوف المريض من نتائج التحليل يدفعه إلى عدم القيام بالتحليل، وخوف الموظف من تأنيب الرئيس يدفعه لأن يظهر الطاعة المطلقة والعمياء لتعليمات رئيسه حتى يزول غضبه ( حتى ولو كانت طاعة مزيفة أو مؤقتة فكلمة (حاضر ) تريح ) .
إلا أن أهم مظاهر الخوف هو ( الخوف الإداري ) بأطرافه الثلاثة : خوف الموظف من نفسه ، وخوفه من رئيسه، وخوفه من مرؤوسيه. أما خوف المرء من نفسه فله مظاهر عديدة كأن يخشى الوقوع في الخطأ فيفرط في التدقيق في الأعمال التى يقوم بها بما ينعكس على إنتاجيته ويمنعه من تحقيق أهدافه، وعندما نواجهه بهذا التقصير يؤكد لنا أنه كان حريصا على أن يأتي العمل (خاليا من أي نقص أو عيب أو خطأ ) وينسى بذلك المبدأ القاتل إنه ( لا داعي للجودة التي لا داعي لها )إن الخوف من الوقوع في الخطأ يقتل روح المبادرة والإبداع ويمنع المرء من اقتناص الفرص المتاحة، كما يمنعه من تحمل المسئولية أو قبول مسئوليات إدارية جديدة، فأحيانا ما نقابل من القيادات الإدارية التي تخشى الوقوع في الخطأ في أدائها ما يمنع تقدمها. حيث أن معظم وقت عملها يوجه أساسا إلى خروج العمل سليما وليس أداء العمل السليم . وأحيانا ما نرى بعض الموظفين ممن يدقق في أعماله بصورة تعطل من حركة الإنتاج أو من تدفق العمل ولعلك تلاحظ ذلك في بعض مواقع خدمة المواطنين التى تصادف فيها من الشخصيات الإدارية التي يدفعها خوفها من الخطأ أو الفشل إلى إرجاء مصلحة الجماهير أو تعطيلها … تماما كما يحدث في بعض المصالح الحكومية الضخمة عندما يتراكم طابور المواطنين أمام الخزينة لدفع الرسوم.
والخوف الآخر الذي نلمسه كثيرا في مواقع عملنا هو الخوف من التغيير سواء كان تغييرا في المكان أو الزمان أو الأسلوب أو الأشخاص، فنحن نفضل دائما الاستقرار والثبات وبقاء الشئ على ما هو عليه .. فلقد تعودنا عليه، ولا سيما عندما يمثل التغيير مصدر تهديد لنا فنتحرك لمقاومته ونحاول منع وقوعه ، تماما كما نخشى استخدام الحاسب الآلي أو الاقتراب من شبكات الإنترنت أو من تكنولوجيا الإدارة الحديثة ونفضل العمل بأسلوبنا الذي عرفناه أو طريقتنا التي نفضلها ..
إن الخوف من التغيير هو الذي يدفعنا أحيانا إلى أن نفقد فرصا عديدة للتعلم والنمو…
فنحن لا نتعلم شيئا جديدا… لا لأننا فقدنا القدرة على ذلك أو لافتقارنا إلى الإمكانيات والطاقات الكامنة التى علينا استدعاؤها لتعلم ذلك، ولكن لأننا فقدنا الرغبة في التوقف عن ممارسة ما تعلمناه وما زلنا حريصين عليه لأن لدينا أسراره ولدينا كذلك خبرتنا الخاصه به . قد نقابل في حياتنا من يسعده بقاء الحال على ما هو عليه : بقاء حال أسرته، ومنزله، وغرفة نومه، حتى نمت لديه القدرة على اكتشاف ما تم تعديله أو تغييره وأصبح يفتخر ( أنه اكتشف ما حدث من تغيير ) وأصبحنا نخشى أن نحدث تغييرا دون أن نعلمه أو نحظى بتأييده.
أما الخوف الثالث الذي يواجهه المرء فهو الخوف من المستقبل فهو يعمل ويجتهد وينشط في أداء مهامه اليومية الوظيفية ولكنه يخشى المستقبل الوظيفي ويفكر في سنوات المعاش وما قبلها وما بعدها ويخشى من عدم وفاء المرؤوسين له وانحسار الضوء عنه، أو يخشى غضب رئيسه منه بأن يدير له ظهره أو يخشى عدم استحقاق للترقية القادمة أو من نظرة المرؤوسين والآخرين له إن وقع عليه عقاب أو ارتكب خطأ، أو خوفا من أن يفرض عليه يوما التحدث أما المرؤوسين أو الزائرين وهو لا يجيد فن الحديث .. إنه يخشى أن يقع شئ ما في المستقبل، ولكنه لا يعلم ما هو إلا أن يعيش في دوامة من الخوف من المجهول .
تلك هي مصادر الخوف الثلاثة التى يخشاها المرء من نفسه :
1- الخوف من الخطأ والفشل
2- الخوف من التغيير
3- الخوف من المجهول والمستقبل
وليست المشكلة في تبين مصادر الخوف ولكن في انعكاس ذلك على أداء الموظف أو المسئول، فاجتماع هذه المصادر الثلاثة للخوف سيمنع المرء – بالتأكيد – من التعامل مع معطيات الحياة باعتبارها مصدرا للنمو والتعلم وتصبح بالنسبة له مصدرا للتهديد والتحدي المتواصل.
أما الخوف الإداري الثاني فهو خوف المرؤوس من رئيسه ، وقد يرجع هذا إلى سلطة الرئيس ونفوذه وقدرته على المنح والمنع، فلديه مفاتيح النمو والعطاء، لذا على المرؤوس الطاعة إن كان يرغب أن يحظى برضاء الرئيس حتى يصبح له من الحب جانب حتى ولو كان هذا الحب نفاقا ورياء ) وقد يرجع كذلك إلى إحساس المرؤوس بانخفاض كفاءته بالقياس إلى متطلبات أو معايير الأداء التي يطلبها رئيسه، لذا فهو في صراع دائم بين فشله في تنمية مهاراته وبين تزايد متطلبات رئيسه في التحسين والتجويد ولذلك فهو يخشى دائما مقابلة رئيسه لأنه يشعر في كل مرة يلتقى به فيها أن الفجوة تتسع بين ما يطلبه رئيسه وبين ما يستطيع أن يقدمه، لذا فهو يخشى الاقتراب منه أو حتى العمل معه. والسبب الثاني أيضا للخوف هو في احتمالات تغيير العلاقة بينه وبين الرئيس بما ينعكس عليه سلبا، سواء كان التغيير بأن يبعده عنه فلا يصبح من المرضى عنهم أو يقربه منه لمزيد من التدقيق والملاحظة، لذا يحرص المرؤوس دائما على أن يبقى بعيدا عن دائرة الضوء حتى يتجنب التقييم المستمر لرئيسه ويحافظ على شكل وطبيعة ومدى العلاقة معه دون تغيير، والتى تصبح في النهاية ( موجود وغير موجود ) ، ( فعال وغير فعال ) باستخدام آلية الكر والفر وأسلوب ( اقتراب اجتناب ) كما أطلق عليه (سيجموند فرويد ) عالم النفس الشهير.
بل أن هناك من التنظيمات الإدارية التي يطلق عليها تنظيم العنكبوت ) وفيه يسمح القائد للبعض بالاقتراب منه دون أن يلتهمهم ولا يسمح لآخرين إلا بالعمل على أطراف الشبكة، فكلما اقتربت من العنكبوت كلما كان ذلك دليلا على قوتك وصلاحيتك أو بالأحرى ملاءمتك له. إن هذا النوع من التنظيمات يقوم على نفوذ الرئيس وتبعية المرؤوس الذي قد يفضل كثيرا أن يبقى بعيدا عن مركز عمليات العنكبوت حتى يأمن شر لدغاته وغدره أو تقلب وجهه.
أما مصدر الخوف الثالث فهو الخوف من المناورات والحيل الإدارية التى يدبرها لنا الرئيس والتى قد تنتهى بتجميدنا في مواقع عملنا أو تجاهلنا وحرماننا من فرص النمو والتطوير أو حجب معلومات هامة لنا أو تهميشنا في بعض الأنشطة الرئيسية أو أن يفوض لنا بعض الأعمال البعيدة عن مجال الاختصاص أو يفرض علينا عملا ذا طبيعة لا تتلائم مع طبيعتنا الوظيفية وغير ذلك من المباريات التى يلعبها الرؤساء لتحجيم المرؤوسين في حالة عدم قناعتهم أو رضائهم عن مستوى أدائهم أو سلوكياتهم في العمل بصفة عامة.
أما النوع الثالث من الخوف فهو خوف الرئيس من مرؤوسه، ورغم أننا أحيانا ما نجد صعوبة لتبرير أسباب خوف الرئيس من مرؤوسيه إلا أن الواقع العملي يذخر بالأمثلة المؤيدة لهذا النوع من الخوف. وقد يرجع خوف الرئيس إلى أسباب عديدة من بينها على سبيل المثال: الخوف من تفوق المرؤوس عليه كنتيجة طبيعية لقدراته الخاصة أو مهاراته المتميزة في أحد مجالات العمل مما يشكل أحيانا مصدر تهديد ( للرئيس العاجز عن تطوير أدائه ) يدفعه أحيانا إلى إعاقة تقدم هذا المرؤوس أو إبعاده عن مساره الرئيسي إن أمكن ذلك خوفا من الإخلال بقواعد العمل واللعب معا، وكثيرا ما نسمع عن سرقة الأفكار الإبتكارية للمرؤوسين وقيام الرئيس بنسبتها لنفسه أو إخفاء بعض المعلومات أو الجهود أو الإنجازات التى قام بها أحد المرؤوسين وعدم تصعيدها لأعلى .
أما مصدر الخوف الرئيسي من المرؤوس فهو معرفة المرؤوس لبعض أسرار العمل التى كان لها أثر وتأثير على تقدم رئيسه وشغله لهذا المنصب، بحيث أصبحت هذه الأسرار بمثابة أداة ضغط على الرئيس بما يدفعه دائما إلى التفكير مرات ومرات في مغبة إبعاد المرؤوس أو التخلص منه حتى ولو كان منخفض الكفاءة والأداء معا، وذلك حتى لا ينقلب عليه ويفشى ما لديه من أسرار وضعها بين يدي مرؤوسه لحاجته إليه في وقت ما أو لمقدرة مرؤوسه الخاصة أو لتقاربهما النفسي والمزاجي في الجد واللعب والحب فهما شريكان في عمل واحد من خلال عقد عمل عرفي نفسي حتى وإن تباينت المستويات الإدارية. ولعل ذلك يفسر أحيانا صعوبة قيام الرئيس باستبعاد بعض المرؤوسين ممن يعيثون في العمل فسادا بحكم علاقته القوية مع (رب البيت ) .
أما المصدر الثالث والأخير من خوف الرئيس من مرؤوسيه فهو خوفه من احتلال موقعه الحالي وهز أركان منصبه الإداري كنتيجة ( لنفوذ المرؤوس ) الذي يتجاوز أحيانا ( سلطة الرئيس ) فمصادر النفوذ عديدة كالأسرة والمال والنسب وجميعها قد ترجح كفة المرؤوس _ إن ملكها – على كفة الرئيس – إن كان يخشاها – وعندئذ تختل الأمور وتتعقد ويصبح الرئيس دائما في خوف دائم من أن يفقد ما وصل إليه إن أغضب مرؤوسه من أصحاب النفوذ.
إن هذه المشاهد التسعة لمصادر الخوف بالمجموعات الثلاث هي مظاهر سلبية لطبيعة العلاقة بين الأفراد تسود وتنتشر في الإدارة الحكومية والقطاع الخاص عندما يسود الغموض وعدم العدالة وتنتشر الفهلوة الشخصية و. إدمان التفسير (وتحكم الفعالية بمعايير شخصية ويصبح كسب الود والتقرب والزلفى أداة التقدم للأمام والأرتقاء لأعلى.
إن شيوع الخوف الإداري يجمد الدماء داخل عروق الأجهزة الإدارية ويفقدها الرؤية والبصيرة والحكمة والروية ويدفعها إلى مسار البحث عن الأمن والتأمين والخوف من النفس والمستقبل والآخر إن الأسلوب الأمثل لتفادي هذه السلوكيات السلبية ينبع أساسا من تفسيرنا لمصادر الرهبة والخوف ومن إدراكنا لطبيعة الخوف العرضي والمرضي ومن ثقتنا بأنفسنا وثقتنا بالآخرين ومن اعترافنا بالحق وبالخطأ، وأيضا من تقديرنا لمن دفعونا للأمام ومن تعلمنا من أخطائنا ومن أخطاء الآخرين، وأن نتوخى في تعاملاتنا أمور ثلاثة : العدالة والموضوعية والوضوح حتى نهرب من وراء قضبان الخوف الإداري والنفسي.

بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق

1 التعليقات...


رد: ليس بالخوف وحده ..

شكرا استاذي الكريم.حقيقه تطرقت الى جوانب او زوايا في انفسنا نتحاشا المرور بها.تحياتي

بواسطة جمال200885 في  28 نوفمبر, 2008

اسمك
Gravatar Preview
Your email:
(Optional) Email used only to show Gravatar.
Your website:
العنوان
التعليق
اضف تعليق  Cancel