اغسطس27
27 اغسطس, 2008 
إن العالم الذى نشهده الآن يدل على أننا نعيش ثورة هائلة فى حجم ومعنى المتغيرات التى تحيط بنا؛ فكل ما تعلمناه بالأمس قد لا يكون ذو دلالة أو قيمة كما عهدناه ما لم نسعى إلى تغييره وتطويره. لقد هبط علينا كم هائل من المعرفة والتكنولوجيا المتسارعة التى تتقدم بين لحظة وأخرى، بينما تتقلص وتنكمش المسافات المترامية بين الدول والبلدان لتصبح نقطة واحدة ويختصر الزمن بين الراسل والمرسل إليه ليصبح مجرد طرفة عين، وتتقدم الهندسة الوراثية بخطى ثابتة وقد ينتهى بها الأمر إلى أن تصبح القيادة وراثية مرة أخرى بعدما ابتعد علم الإدارة عن هذا المفهوم (موهبة القيادة) وتتقدم بخطى محدودة باتجاه أن القيادة قيم وعادات ومهارات؛ فهناك أسر بأكملها تتسم بخاصية القيادة، فهل الجينات المتوارثة لهذه الأسر هى التى جعلتها تتسم بهذه الخاصية مثل عائلة كيندى وعائلة نهرو؟.
حدث تقدم مذهل أيضاً فى حركة المعلومات وسرعة انتقالها من مكان إلى آخر، فلم يعد حجم ما نعرفه هو المعيار الذى يميز إدارياً عن آخر.. وإنما أصبحت القدرة على الاختيار المناسب من بين ما نعرفه للموقف الذى قد لا نعرفه أو نفاجأ به للمرة الأولى.
عناصر عديدة أخرى متلاحمة تجعل مسرح العملية القيادية بكل مكوناته وبمختلف مشاهده يتباين تماماً عما عهدناه من قبل؛ وفى كلمتين ((إن البشرية تعيش عصر الإدارة)). ورغم هذا التشابه والتنوع فى المتغيرات الذى قد يوحى للبعض باستحالة التعامل معها إلا أن هناك مجموعة من المفاهيم الرئيسية التى قد تجعل جوهر القيادة ثابتاً سواء فى المعطيات أو فى عناصر الموقف الذى تتم فيه العملية القيادية أو الإدارية، وفيما يلى مجموعة من المفاهيم التى يمكن أن نطلق عليها مجازاً مجموعة الثوابت الفكرية الحاكمة لعملية القيادة.
أولاً: الإدارة هى أبسط مهنة فى الوجود
والذى يجعلنا نؤكد ذلك هو أن هناك كثيراً من الحالات التى تمكن فيها القادة من إدارة إمبراطوريات صناعية ضخمة أو حضارات بأكملها، وأن يحققوا نجاحاً باهراً فى هذه المجالات برغم ترامى وضخامة هذه النماذج الإدارية، وليس أدل على ذلك من أن ((جاك ويلش)) رئيس مجلس إدارة شركة (جنرال إليكتريك) والتى تضم 95 ألف عامل أكد أن أحد أهم عوامل نجاحه فى إدارة هذه الشركة العملاقة إنه كان يتبنى فلسفة إدارة المشروعات الصغيرة Keep it Simple، كما أكد أيضاً المفهوم الخاص ببساطة علم الإدارة.
ولكن ما الذى يجعل الإدارة مهنة صعبة؟ إن الذى يحول الإدارة من مهنة سهلة إلى مهنة صعبة هو أن يخفى القائد الإدارى عن المرؤوسين المعلومات اللازمة لهم لكى يقوموا بالأعمال الموكلة إليهم، فإخفاء المعلومات يعصب على الرئيس والمرؤوس القيام بالعمل ما لم تكن لديه كافة البيانات والمعلومات اللازمة لذلك، غير أن بعض المديرين يفضلون إبقاء زمام الأمور فى أيديهم ومنع مفاتيح العمل عن الآخرين حتى يمتلكوا دائماً ناصية الأمور ويبقى المرؤوسون دائماً فى حاجة مستمرة لدعمهم ورأيهم. لذا يصبح..
المبدأ الأول للقيادة الفعالة هو توفير المعلومات اللازمة للمرؤوسين بما يمكنهم من حرية الحركة ويساعدهم على اتخاذ القرارات ويضمن لهم فرصاً أوسع من التعلم والنمو والتقدم..
وتزداد أهمية هذه الخاصية بالذات كلما ازداد حجم المعلومات والمعارف التى يمكن الحصول عليها لتنشيط المهام الإدارية، حيث على القيادى أن يقوم بتزويد مرؤوسيه بالعناصر التالية:
أ- المعلومات اللازمة للقيام بالعمل.
ب- ردود الأفعال الناتجة عن القرارات المتخذة.
ج- أى تغيير فى معايير تقييم الأداء والنتائج المحققة.
لقد وفرت التكنولوجيا المعاصرة من خلال شبكات الإنترنت والبريد الإليكترونى والإدارة العصرية للمعلومات مساحة واسعة للسيطرة على هذا الكم الهائل من المعرفة والبيانات، لذا فليس من الحكمة فى شئ أن يتمسك القيادى بهذا الوهم القديم بأن سيطرته على البيانات ستجعل منه قائداً يصعب الاستغناء عنه.
ثانياً: الهروب من مصيدة الرغبة فى السيطرة على كل شئ
من الأخطاء الشائعة للعديد من النماذج القيادية تلك الرغبة المتسمرة فى السيطرة على كل شئ: المواقف والمرؤوسين والموارد والنتائج والزملاء، وهى الرغبة التى لم يعرف التاريخ أن هناك قيادة بعينها قد نجحت فى تحقيقها فى كل موقف؛ بل أن تلك القيادات التى اقتنعت بأنها قد حققت ذلك هى تلك القيادات التى أُقتلعت من جذورها رغم تخيلها لعمق سيطرتها وتحكمها.. وذلك تأكيداً للمبدأ القائل.
إنك كلما فرضت سيطرتك على من حولك كلما منحتهم حرية أكبر فى الثورة والتمرد ضدك..
وهذا هو ما حدث بالنسبة لنماذج تاريخية عديدة نذكر منها: هتلر وموسولينى وستالين وماوتسى تونج وشاوشيسكو، وجميعهم لم يكونوا يتخيلون أبداً أن شعوبهم قد حكمت عليهم بالإعدام أو على الأقل حكموا هم على أنفسهم بذلك من خلال عقدة ((السيطرة على كل شئ)). وإذا انتقلنا إلى تطبيق هذا المفهوم فى الإدارة فسوف نكتشف أن من المديرين من يحاول السيطرة على كافة المجريات ويرغب فى نفس الوقت فى التواجد فى كل الاجتماعات وأن يطلع على كافة القرارات، وهو عندئذ كمن ينصب لنفسه فخاً من التفاصيل والمشكلات اللانهائية التى لا حصر لها حتى تسيطر عليه هذه التفاصيل وتفقده القدرة على الرؤية لمسافات أبعد تماماً.. تماماً كمن يحمل الهاتف النقال ويتركه يعمل طوال الوقت خشية أن تأتيه مكالمة هامة أو خوفاً من أن تفوته فرصة رئيسية بحيث يصبح الهاتف النقال هو المتحكم فى صاحبه وليس العكس، أو كالزوج الذى يود مراقبة زوجته فيلازمها معظم الوقت ليتبين له فى النهاية أنه قد فقد حريته ولم يتمكن فى الوقت نفسه من معرفة حقيقة الأمر، أو كالأب الذى يسهر لساعات متأخرة من الليل ليراقب ما يشاهده أبناؤه من القنوات الفضائيات الأجنبية فيفقد سيطرته على وقته وراحته ويفشل فى تحقيق ما يسعى إليه لإرهاقه أو لسفره.
يجدر بالمدير والقائد العصرى إذن أن يتنازل عن عمد ونية عن رغبته الدفينة وعن قناعته بالقيمة السلبية التى قد يكون تعلمها فى الماضى، ألا وهى الرغبة المستمرة فى معرفة كل شئ فبدلاً من السعر لمعرفة ما حدث عليه أن يستعد للتصرف ومواجهة ما سيحدث فى المستقبل.
ثالثاً: الإنصات
يتعلم الإنسان الحديث وتصبح لديه القدرة على الكلام عندما يبلغ من العمر ثلاث سنوات، فى حين قد يبقى الإنسان طول العمر لا يعرف كيف ينصت للآخرين؛ فالإنصات هو تلك المهارة الرئيسية فى الانفتاح على الآخرين.. فنحن لا نتعلم عندما نتكلم ولكننا نتعلم عندما ننصت ونفهم ما يُطرح علينا. وإذا كانت شبكات الأعمال والإنترنت والبريد الإليكترونى قد وفرت لنا قدراً هائلاً من المعلومات، إلا أننا مازلنا فى حاجة إلى التعبير عن مشاعرنا وآرائنا وفى حاجة أكثر إل من ينصت إلينا، فكم من المشكلات تفاقمت وتصاعدت لعدم الإنصات لمن تحدثوا عنها للمرة الأولى، وكم من الرسائل الهامة لم تصل إلى مستمعيها لعدم تأكدهم من فهمها أو لعدم تفرغهم فى الإنصات إليها، وعلى هذا ستصبح مهارة الإنصات من المهارات التى ستبقى أهميتها دائماً ذات تأثير واضح فى مجريات العمل الإدارى مهما تقدمت التكنولوجيا وازدهرت شبكات المعلومات؛ بل أننا نتوقع أن المساحة الزمنية المخصصة للحديث والتعبير قد تقل مع تقدم تكنولوجيا نقل المعلومات فى حين أن المساحة المخصصة للإنصات قد تتزايد لتبادل الرأى وتوضيح وجهات النظر.. ويرجع السبب فى ذلك إلى اتساع دائرة المعارف والتباين فى المهارات والحاجة الشديدة لاستشارة الآخرين فى الأمور المتخصصة، وهو ما يستدعى من القيادة الإدارية أن ((تجبر نفسها)) على الإنصات للرأى الآخر أياً كان مصدره. ومن المبادئ الحاكمة فى عملية الإنصات ما يلى:
رابعاً: التركيز على المستقبل
قال ((بيل جيتس)) إنه كلما زاد تركيزك على عملك الحالى كلما صعب عليك التركيز على الإبداع، تلك هى نقطة البداية الحقيقية للقيادات الإدارية الطموحة.
فمهما أفرطنا فى التدقيق والتركيز على عملنا الحالى فلن نحقق تلك النتائج المبهرة التى قد تترتب على أن نأتى بفكرة إبداعية جديدة من خلال تصورنا لمستقبل أفضل..
إن التفكير فى الماضى عادة ما يكون رهناً بالتجارب التى اجتازها الإنسان وكلما زاد عمقاً فيها كلما بعد عن الواقع الذى يعيش فيه.. تماماً كالغواصة التى تهبط إلى أسفل فيصعب عليها رؤية السطح إلا من خلال آليات عسكرية خاصة بذلك، وإن كان غوصها وبعدها سيبعدانها عن مرمى العدو..
ومن ناحية أخرى فإن التركيز على العمل الحالى قد يكون بمثابة تكرار لما حدث فى الماضى، ومهما بلغت درجة الإجادة فيه فهو محكوم بطبيعته تماماً كالجودة التى لا داعى لها بعد درجة معينة من الإجادة.. فغسيل الأيدى أو تنظيف الحذاء أو حلاقة الذقن أو الاستحمام تفقد أهميتها ولا تضيف جديداً بعد نقطة معينة، بل قد يبدأ الأثر العكسى من الإفراط فى ذلك. ولعلنا جميعاً قد شاهدنا نماذج من المدخنين الذين من فرط اهتمامهم بما يفعلون يبادرون بإشعال سيجارة جديدة ليكتشفوا بعد لحظات أن لديهم سيجارة أخرى مشتغلة بالفعل لم يشعروا بأثرها رغم تصاعد دخانها إلى أنوفهم وأعينهم. فكلما اقتربنا من الشئ كلما فقدنا حساسية رؤيته، وكلما اقتربنا من لوحة فنية جميلة كلما قل إحساسنا بجمالها، وكلما اقترب المستند أو النموذج من أعيننا كلما فقدنا القدرة على رؤية مجالات تطويره..
وكلما نظرنا أيضاً إلى أسفل توخياً للدقة فى خطواتنا – الخطوة تلو الأخرى- كلما فقدنا رؤيتنا للمسار الرئيسى 2) قراءة ما لم يقله صراحة. 3) البحث عن مجالات الاتفاق قبل البحث عن مجالات الاختلاف. 4) التركيز على المضمون قبل التركيز على الشكل. 5) توفير الظروف المشجعة على الفهم المتبادل. 6) إرجاع الأثر المستمر لفظياً وغير لفظى بما يشجع المتحدث على التعبير عن آرائه ومشاعره. 1) التفرغ التام للمتحدث.
بقلم الدكتور / عبدالرحمن توفيق
1 التعليقات...
رد: عصر الادارة
جزاكم الله خيراً بواسطة sharkfish77 في
01 مايو, 2009
|