يوليو20
20/07/2010 09:08 ص 
حنان فكري
قضية الملكية الفكرية قضية ذات حساسية خاصة ، نظراً لأنها تناقش ما ينتج عن التفاعلات الكيميائية والبيولوجية التي تدور في عقل الإنسان من علم وفكر يثري المجتمع ويحسن من كفاءته ، ويعود عليه بالمزيد من الإنتاج ، وتحقيق مستويات عالية من الرفاهية ، وبالتالي فإن وجود إتفاقية لتنظيم حماية هذا المجال أمراً شديد الأهمية . إذ أنها تحمي ما يتم استثماره في التنمية البشرية ، فلا يجوز أن يستوي من قام بتنمية ذاته بمن لم يفعل ، أو من
استثمر في عقله بمن لم يستثمر
لقد وصلت عمليات الغـش والسرقة لحقوق الملكية الفكرية إلى الحد الذي أصبحت معه تهدد أمن الإنسان ، بل وصحته أيضاً بعد أن بدأ التلاعب في المنتجات الدوائية أمراً يسيراً على بعض معدومي الضمائر الذين لا يعلمون معنى حقوق الملكية الفكرية
وحقوق الملكية الفكرية كما عرفها الدكتور محمد حسام محمود لطفي أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق جامعة القاهرة أنها الحقوق التي ترد على أشياء غير مادية وهذه الحقوق طائفتان أو نوعان : حقوق ناشئة عن الملكية الصناعية ، وأخرى ناشئة عن الملكية الأدبية والفنية . ويكفل المشرع حماية مدنية وجنائية لهذه الحقوق جميعاً بما فيها براءات الاختراع والنماذج الصناعية ، والعلامات التجارية ، وحقوق النشر والنسخ والطبع
ورغم ما تحظى به الملكية الفكرية من أهمية ظهرت على الساحة العالمية مؤخراً ، إلا أن إثارة هذا الموضوع بشكل تحكمي من جانب الدول المتقدمة في الآونة الأخيرة نال اعتراضات الدول النامية التي لم تجد مجالاً أكثر من إبراز هذا الإعتراض حتى أنها رضخت في النهاية للموافقة على تنفيذ الإتفاقية
إن الخيـار من بٌعد الموافقة والإلتزام بالتنفيذ ليس في مدى قبول أو عدم قبول قواعد الإتفاقية ، وإنما السؤال الذي ينبغي أن نحاول الإجابة عليه هو : ما الحجم الأمثل لهذه القواعد على نتاج الفكر والإبداع بالشكل الذي يضمن العدالة فيما بين الملكية البشرية لهذه الحقوق والعائد الضروري لأصحابها ؟
السؤال الثاني أيضاً الذي ينبغي إثارته هو : هل ينبغي إمتداد ذلك إلى كل نتاج للفكر ، أم ينبغي الأخذ في الاعتبار من هم المستفيدون ومدى حاجاتهم إلى هذه المنتجات الجديدة ، خاصة إذا كانت لا تتمشى أو تتناسب أسعارها مع إمكانياتهم المادية ومستويات دخولهم ؟
وبناءاً على إثراء الخبراء والمتخصصين في ذلك المجال تم تجميع الاعتراضات التي أخذت على الإتفاقية وهي أن تطبيقها سوف يترتب عليه بما يشبه المباراة الصفرية العائد ، حيث أن نصيب وعائد الدول المتقدمة سوف يقابله على الجانب الآخر خسائر للدول النامية ، فالكل يتبارى في حسبان العائد ، وبدون النظر إلى التكلفة أو الخسائر التي سوف تتحملها الدول النامية ، وإذا كانت هناك بعض الإستفادة لهذه الدول فهي محدودة وقاصرة على عدد محدد جداً منها ومثال على ذلك عائد بعض الدول التي تنتهك حقوقها من بعض المجالات كما هو الحال في مصر مثلاً بالنسبة لمنتجاتها الفكرية والثقافية والإعلامية ، وذلك نظراً لخصوصية إنتاجها وإتساع رقعة المستفيدين منها بالبلاد العربية
الإعتراض الثاني هو : أن جزءاً كبيراً من الإبداع هو نتاج التراكم المعرفي الذي سبق هذا الإبداع والمتمثل في العلوم والمعارف المختلفة ، والتي هي ملكاً للبشرية ككل، حيث لا يمكن بالطبع فصلها عن نقطة زمنية محددة ، الأمر الذي يعني عدم قصد عائد هذا الإبداع على صاحبه فقط ، بل هناك مساهمة البشر ككل فيه ، وينبغي أن تتحصل هي الأخرى على جزء كبير من هذا العائد
الإعتراض الثالث هو : أن طغيان المادة وتأثير الفكر الرأسمالي أصبح هو اللغة التي يتكلم بها كل فرد الآن حتى المبدعين وأصحاب الفكر وهذا يمثل إتجاهاً جديداً لم يكن موجوداً من قبل ولا ينبغي أن يكون سلوكاً في المستقبل بالتركيز والاعتماد على حسابات العائد والربح
كذلك إخضاع الإنتاج الفكري والإبداع للحماية يتم التركيز عليه بواسطة الشركات العملاقة ، وهذا يعني ازدياد وانتشار سوق الاحتكار وما قد يصاحبه من ارتفاع السعر الذي لا يعكس القيمة الاقتصادية للمنتج
وقد طرح العديد من الخبراء وعلى رأسهم الدكتور مصطفى عزب العرب أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان حلولاً بديلة في ظل ذلك الاتجاه المعارض كان أهمها
ضرورتها ظهور مجموعات المعارضة القطاعية المنظمة ( القطاع الزراعي ، الصناعي ، نقابات الزراعيين ، ... الخ ) والتي تركز على المطالبة لسد حاجات المستفيدين من هذه المنتجات الجديدة وليس بالتركيز على الربح فقط ، ففي أوروبا هناك من يطالب بإعداد مشروع قانون يبيح للمزارعين الحق في استخدام بعض البذور من الإنتاج المحقق لاستخدامه في الإنتاج المستقبلي ، ووقف الجهود المعاكسة والتي تنادي بإنتهاء جيل المنتج الزراعي على محصول واحد ينتهي بالإنتاج وضرورة الحصول على بذور جديدة كل مرة
كذلك المطالبة الدائمة بالحقوق الجماعية للمعرفة والموارد المتاحة ، على اعتبار أن ذلك ملكاً للبشرية ، ولا ينبغي قصره على فئة محدودة ، في ظل ضرورة هذه المعرفة لما لها من آثار إيجابية على البشرية ككل ، فكيف لنا أن نقصر الحق في المعرفة وتداول المعلومات في ظل وجود نسبة مرتفعة من الأميين في العالم الناس
(حنان فكري)