بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
اغسطس22


22 اغسطس, 2008 RssIcon

قد يصف البعض الإدارة بأنها أسهل مهنة فى الوجود، فما الإنجازات الهائلة عبر العصور إلا دليلاً قاطعاً على فهم الإدارة وتحويلها إلى أداء لبناء الحضارات والأمم، ومن يشك فى هذه المقولة قد يجد الإجابة عليها عندما يبحث عن المبررات المنطقية التى تحول دون تحقيق النتائج أو تعرقل تحقيق الإنجازات، أو تتسبب أحياناً فى انهيار الأمم والكيانات العملاقة.
وفى غالب الأمر قد نصل فى النهاية إلى حقيقة نتفق عليها وهى أن الذى يُصعب من مهمة إدارة الأشياء أو الأشخاص أو المعلومات هى غريزتنا الإدارية للدفاع عن النفس والمنصب والآلات بأن نفعل كل ما نريد ليس من خلال الآخرين ولكن بأنفسنا. ونظل نسعى وراء تأكيد صحة هذا الافتراض الزائف، بأننا قادرون على أداء وفهم وعمل ورقابة كل شئ وكل شخص وكل موقف فى أى زمان أو مكان. إلى أن نتوقف أو نجبر على التوقف عن ممارسة هذا الافتراض واتباعه قسراً بعد ما يكون وقت تقرير تعديل هذا السلوك قد فات أوانه.
مصادر متعة المدير متنوعة، بعضها كإدمان المخدرات يسحق الهمم ويجلب الفشل ويربك الأجهزة الدماغية والفكرية والبعض الآخر، يبنى ويثمر وينمى الآخرين والذات ويحقق الهدف ويجلب الحظ والمكاسب ويرفع الهمم عالياً. ومن بين مصادر المتعة الزائفة للمدير الفاشل وإصراره الدائم على معرفة كل ما يدور حوله من تفاصيل، وتعمد الغوص فى متاهات دقائق الأمور والإصرار طول الوقت على أن يكون هو البطل المتوج وراء كل عمل صغير أو كبير وإنشراحه وغروره وكبريائه الوظيفى بأن يوقع على جميع القرارات والمذكرات والتعاميم، ويستقبل كل المكالمات ويشارك فى كافة الاجتماعات.
إن (إدمان التوقيع) على كل معاملة قد يبنى لدى المرء آلية ذاتية داخلية مدمرة هدفها (مزيد من التوقيع)..
وكم تكون أحياناً سعادة القيادى (الزائف)وهو يرى سكرتيره الخاص وقد وقف أمامه يقلب صفحات البريد (البيروقراطى فى معظمه) ويهم هو بالتوقيع عليها (آلياً) فى معظم الأحيان. ترى كم من الوقت يمكن توفيره لو أن المدير المسئول قد أعاد النظر فى أنواع الموضوعات أو القرارات التى تعرض عليه. وكم من الوقت سيوفره القيادى فى موقعه لو خلق آلية جديدة للتعامل مع المواقف الروتينية بعيداً عن وقته واهتماماته، وكم من الاستقرار النفسى والمعنوى سيتوفر للقائد الإدارى لو طور لديه وحدات فكرية نابهة تتولى التعامل مع تلك السوابق الإدارية التاريخية بذكاء وحرص. كثر من فرص المستقبل تضيع وسط اهتماماتنا بالماضى وعديد من مجالات النمو والتطوير والإبداع تقتل لاهتماماتنا بنجاح النظم وحماية الإجراءات وبناء سواتر ترابية إدارية لمنع مرور الأفكار الجديدة الرائعة. إن تعود العين الإدارية على رؤية المسافات القصيرة يفقدها إمكانية تجاوز الحاضر والواقع إلى المستقبل.
إن طاقة النجاح الرئيسية للقيادى والمسئول هى أن يعهد بالمهام الإدارية المتعارف عليها لجهاز كفء يتبعه، وان يقنع بأن مسئوليته الأولى هى الانشغال بالمستقبل وصناعته، لا بالانصياع للماضى وإثبات سلامته وحمايته وتكراره.
إن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو تى أين يضيع وقت المسئول، وأين يجد الوقت اللازم (التفكير)، وأين يتاح له وقت لتنمية الكفاءات (القيادية) ومتى يحين له وقت إدارة اجتماعات للتخطيط (الاستراتيجى)، ومتى يحين له عقد لقاءات تقييم سيناريوهات (المستقبل) التى ينوى أن ينقل بها أنشطة القطاع أو الهيئة إلى مراتب عالية من التقدم والنمو تتلاءم مع طموحات القيادة السياسية ورؤيتها..
أين له كل هذا وسط الإصرار على التدخل الشخصى المباشر فى كل دقائق الأمور والتوقيع على المذكرات الإدارية التى لا نهاية لها.
هناك علاقة عكسية بين تدخل القيادة العليا فى التفاصيل وبين توفر نظم وأساليب عمل راقية وملزمة ومنهجية.
فكلما زاد تكرار التدخل فى التفاصيل، كلما أكد ذلك عدم توفر أجهزة معاونة فعالة..
وأكد أيضاً عدم فعالية نظم المعلومات وحيويتها. والعكس كذلك صحيح. إلا أن هذا الموقف لا يمنع فى النهاية من المبادرة باتخاذ قرارات لعلاج المشكلات أو السيطرة عليها استجابة لضغوط الوقت أو الرأى العام أو القيادة الأعلى. وهو ما يحدث عادة وغالباً عند التعامل مع المشكلات الآنية المفاجئة محادثة قطار، سحابة دخان، انهيار سور مدرسة، انتشار ظاهرة الأطباء الزائرين من الخارج، بيع الخبز على الطريق، انهيار العمارات، السوق الحرة، هدم الفيلات، سرقة الآثار وغيرها من النماذج التى تم فيها اتخاذ قرارات فورية تمتص بصورة أو بأخرى ردود الأفعال الفوقية والتحتية أكثر مما تستجيب لمتطلبات الرؤية والمنهج التى غابت نظراً للانشغال بدقائق الأمور المفاجئة.
إن عقد اجتماع قيادى رئيسى مع القيادات العليا لتحديد أولويات العمل وبناء جسور الثقة بين الإدارة العليا والقيادات الرئيسية قد يكون له أثر كبير فى دعم الثقة فتتحول بذلك القيادات المساندة إلى أجهزة سمع وطاعة، وأدوات تكبير لصوت وصورة للقيادات الأعلى دون توفر القدرة لديها على طرح الجديد أو صلاحية للتدخل فى صياغة مختلفة لمضمون، أو جرأة على مناقشة لمغزى قرار. فهى مجرد أذان صاغية وأفواه صامتة ذات إيماءة دائمة بالإيجاب، تكرر رأى متخذ القرار، وتنظر إليه بإعجاب وانبهار، غالباً ما يكون مصطنعاً، ويحسب من يعتبر ما سبق بمثابة المعايير السليمة للاختيار، أن ذلك يقلل من الاصطدام ويسرع بتنفيذ القرار دون أن يكون للمساعد فرصة التعبير عن الرأى الآخر أو سلوك الاتجاه المخالف أو اختيار التوجه المختلف حتى تأتى الرياح فقط بما تشتهى سفن القائد الأعلى.
وهنا يتحول المساعد إلى مكبر صوت وصورة ليس له أن يعجل فى النص أو يطور فى الأداء أو يضيف إلى سيناريو الأحداث، إلا أن السؤال يظل قائماً: ترى هل من الأفضل أن يستعين القائد والمسئول بالكفاءات القادرة المعبرة عن رأيها والمختلفة معه وعنه وان يتحمل لقاء ذلك عبء الاختلاف لما فيه المصلحة العليا، أم يتجنب كل ذلك بانتقاء المساعدين والمعاونين ممن لا مذاق لهم، يتمايلون علاى دقات طبوله ويتساقطون كأوراق الخريف عندما يبعد عنهم، أنه الاختيار بين استثمار الطاقات الكامنة للنجاح أو اتباع تعليمات بين الطاعة الإدارى ذلك الطوق الحديدى لفشل أحدهما أو كليهما.
إن السعرات الحرارية الإدارية لكل منا تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هى الوقت Time، الطاقة Energy، الذاكرة Memory. وهى ما يطلق عليها منظومة (TEM) وهى الحروف الأولى للكلمات الثلاثة. إن نصيب كل منا من هذه المنظومة مختلف، ومحصلة ما يجنيه الفرد ويحققه من نتائج ما هى إلا نتاج التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة.
فرؤيتنا لأنفسنا وإدارتنا لمواردنا الذاتية وافتراضاتنا عن الآخرين تتدخل جميعاً فى صياغة المحصلة النهائية لهذه المكونات. لذا فإن البدائل المتاحة لدينا هى إما أن يصبح الناتج النهائى هو حاصل ضرب هذه العناصر (الوقت × الطاقة × الذاكرة) إذا ما استثمرنا هذه الطاقات ووجهناها للإنجاز والإبداع أو يصبح الناتج النهائى هو حاصل (طرح) هذه العناصر (الوقت – الطاقة – الذاكرة) إذا ما وجهنا طاقاتنا للمنورة والتوازن والخوف والدفاع عن النفس وافتراض السوء بالآخرين وعدم الثقة بأنفسنا.
فليسأل كل قائد نفسه أين يضيع وقته، طاقاته، ذاكرته.. وما هى افتراضاته عن نفسه، وكيف يرى الآخرين، وما هو البديل الذى يتبناه، أو بالأحرى يتمناه، وما هى أطواق الفشل التى آن الأوان أن يحولها لطاقات نجاح له وللآخرين بين المستويات الإدارية المختلفة؟. وقد يكون أفضل الأثر على دعم وبناء القيادات الإدارية الأقل من ناحية وتقليل التمسك بنظرية (الزيارات المفاجئة) للمواقع من ناحية أخرى، فقوام هذه الزيارات هو انعدام الثقة فى المرؤوس، تبنى عقلية المحقق وتصيد الأخطاء، (وأسلوب العقاب والعقاب) لا الثواب والعقاب.. فنادراً ما نسمع أنه قد ترتب على زيادة مفاجئة مكافأة أحد القيادات، بل غالباً ما تنتهى بتدعيم الإحساس بالخوف من زيارة المسئول وزعزعة دور المساعدين وتهديدهم بالنقل أو الفصل أو العقاب أو ما شابه.
إن بيئة أسلوب (العقاب والعقاب) تخلق لنا جيوشاً من التابعين المذعورين الكارهين لنا وللعميل والخائفين من أنفسهم ومن رؤسائهم ومن أفكارهم. زائغى البصر فاقدى البصيرة..
إن النبتة الصالحة مهما كانت سماتها وخصائصها ستفسد إن لم نوفر لها الرعاية والحماية والدعم والتربة الناجحة..
فكم من براعم صالحة يمكن وأدها وإجهاض طموحاتها لو قابلت فى بداية حياتها إنساناً يصر على معرفة كل شئ، ويفاجئها بزيارات تفتيشية تقوم على افتراض سوء النية والتقصير.
ولعل من المبادئ المفيدة هنا القول بأنه..
كلما زادت رغبتنا فى السيطرة على ما حولنا، كلما قلت قدرتنا على الحركة..
تماماً كما يفضل صاحب التليفون المحمول أن يبقيه دائماً إلى جواره مفتوحاً فينتهى به الأمر إلى أنه أصبح فى خدمة التليفون بعد ما كان التليفون فى خدمته. على القيادى أن يدير عن بعد، وبدون توصيلات إدارية ذات ضغط عال وأن يرفع الضغوط البيروقراطية عن مرؤوسيه، وألا يحولهم إلى كتبة فى ديوانه الأميرى أو حملة لرايات وألوية البيروقراطية فى إدارته. فعدم الثقة فى المرؤوسين، وتكبيل أطراف الجهاز الإدارى بدعوى السيطرة على كل شئ هو أحد أهم أطواق الفشل التى عندما يثقل وزنها وينوء المرء عن حملها تغوص به بعد أن كان يتعلق بها طوقاً للنجاة وطاقة للنجاح.
أما طوق الفشل الثانى فهو أن يصر المدير أحياناً على البحث الدائم والمتواصل عن مساعد له أو قائم بأعماله أو شخص يعهد إليه بالمهام الموكلة إليه يكون له نفس السمات أو الخصائص الشخصية التى تتلاءم معه وتتمشى مع سماته وملامحه الذاتية والعملية. ويحسب بذلك أن الطريقة المثلى لضمان استمرار العمل واستقراره هى إنعدام الخلاف والإختلاف وإستجلاب الطاعة والتماثل فى رؤى الأمر والنهى بينهما، لذا عادة ما ينتهى البحث بالإستعانة بكفاءات لها نفس الخصائص أو على أحسن تقدير لها خصائص تتطابق مع المتطلبات الذاتية للقيادة.

بقلم دكتور/ عبدالرحمن توفيق

1 التعليقات...


رد: الإدارة..بين طاقات النجاح وأطواق الفشل

شكرا دكتور/ عبد الرحمن توفيق

واسمح لي أن اقوم بإضافة صغيرة على موضوعكم الرائع...
إن مشكلة الادارة العربية بل والمجتمعات العربية كلها بداية من الأسرة والمدرسة والجامعة والعمل في المؤسسات أن أصحاب القرارات في هذا كله يقومون باتباع نظرية (الصواب المطلق) أي أنهم الصح والباقون على خطأ .. وبالتالي نجد كافة المبدعون والمبتكرون يهربون من مجتمعاتنا للدول التي تعطي الالوية لعرض افكارهم وأيضا العمل على تطبيقها وبالتالي قد نرى الفكرة ليست مهمه ومتخلفة ولكن بعد تطويرها تغير مسار الحياة بالنسبة للعالم باجمعه.
وأيضاً نفس النظرية تنطبق على معظم المديرين بل ورؤساء مجالس ادارات كبرى الشركات لا يستمعون لاراء صغار الموظفين ورؤساء الاقسام وربما يأتون بافكار يعجز عنها المديرون ولكن للأسف نظرتنا للامور تختلف في وطننا العربي ولا أحد يسمع ولكن عادة بل في معظم الأحيان نحب ونعشق التحدث وابداء النصح للآخرين وخاصة من المستويات العليا ونجد قراراتهم عكس ما يقولون للأسف.
لذلك اختتم هذا التعليق بهذه الملاحظة التي يجب اخذها في الاعتبار ودراستها جيدا
ان سبب تخلفنا هم من يروا في أنفسهم الاحقية في اتخاذ القرارات بالنيابة عنا.. وهم أحوج إلى من يتخذ القرار لهم في تحديد مصائر حياتهم.
لذلك ينبغي ان نقول ان الفشل هو الطريق نحو النجاح
والطريق نحو النجاح.. صعب جدا وبه مشكلات واتذكر دائما نصيحة استاذي الدكتور / عبد الرحمن توفيق عندما كنت في بداية دراستي للماجستير انه كان يقول لي لن تجد الطريق سهلا ولكن كن على حذر من هواة الفشل .. والحمد لله على هذه النصيحة التي لا تكتب الا بماء من ذهب ..

وفقكم الله
الدكتور / رمضان حسين الشيخ

بواسطة الدكتور / رمضان الشيخ في  22 اغسطس, 2008

اسمك
Gravatar Preview
Your email:
(Optional) Email used only to show Gravatar.
Your website:
العنوان
التعليق
اضف تعليق  Cancel