اغسطس21
21 اغسطس, 2008 
التغيير الجزئى هو ألد أعداء الإبداع والتطوير.. لذلك انتقلت البشرية من الحصان إلى السيارة دون أن تمر بمرحلة الحصان ذى الموتور أو السيارة من ذوات الأربع، وكذلك الحال بالنسبة للاكتشافات أو الأفكار الإنسانية الرائعة؛ فأصحابها يفكرون جذرياً في أن يتركوا ما لديهم ويفكروا في غير المألوف.
دائماً ما تُثار قضية التعارض بين استخدام التكنولوجيا وبين ما يترتب عليها من التخلص من العمالة الحالية أو تقليص الأعداد المطلوبة في شغل الوظائف، وهو ما يُعد تناقضاً مع السياسة العامة في تشغيل الشباب أو تأهيلهم. ولهذا فإن المسألة الإدارية الأولي التي تواجهنا هي كيفية تخفيض المعاناة علي المواطن أثناء تلقيه ((خدمة)) من أحد أجهزة الدولة، وما قد يستلزمه ذلك من استخدام متواصل ومتطور ((لتكنولوجيا خدمة المواطن أو العميل)) وبين حتمية توظيف هذه الأعداد الهائلة من خريجي الجامعات التي يفرزها نظام النقل الآلي في التعليم.
إن السير في الاتجاهين في نفس الوقت هو أحد سمات المفكر الاستراتيجي حتي لا يضحي بأحد العنصرين علي حساب الآخر؛ لأن التمسك بتأخير التكنولوجيا سيبعدنا عن شمس التطوير ويجذبنا إلي الوراء، كما أن تمسكنا بتعيين الجميع سينتج عنه جيوش إدارية جرارة سرعان ما لا نطيق تحملها.. ونبدأ عندئذ في التفكير بالاتجاه العكسي من قبيل المعاش المبكر والإجازة للسفر بلا حدود والعمل 3 أيام للسيدات والرسوب الوظيفي وإلغاء الانتداب وعدم مد الخدمة بعد المعاش وعدم الجمع بين وظيفتين.. وغيرها من أساليب الحد من الترهل الإداري.
إن الإمساك بذيل الفيل لا يمنعه من التحرك.. كما أن جذب ذيل الحصان بشدة يدفعه للتمرد، لذا فإن علاج المشكلات الاجتماعية الكبيرة لا يبدأ من ذيلها، والتعامل مع المشكلات النشطة ذات الأثر البالغ علي المجتمع لا يبدأ بجذبها للوراء.
لذا فنحن نحتاج إلي أفكار إدارية عصرية تجمع بين تشغيل الطاقات العاطلة من ناحية وبين استخدام التكنولوجيا المتطورة من ناحية أخري؛ فاستبدال بطاقة وصول الراكب بنظام معلومات متطور قد يعفي ضباط الجوازات من مراجعة هذه البطاقة ويقلل كذلك من وقت انتظار الراكب أو يعفي البسطاء من مشقة استيفائهم لها وهم غير قادرين علي الكتابة أصلاً.. لقد اختفت هذه البطاقة من معظم الدول العربية وبقي أن تختفي عندنا.
إن التفكير في استثمار السياحة في مصر لا يحتاج منهجية للإعلام عما لدينا من آثار؛ ولكن يحتاج أيضاً إلي أن نكشف عما لدينا من نظم متطورة للتعامل مع السائح الذي مازال عليه أن يدفع جنيهين للحصول علي عربة حمل حقائب، ولا يوجد ما يستقبله من لوحات أو نماذج أثرية أو لافتات تؤكد له أنه الآن في مصر (أم الدنيا أثرياً علي الأقل). لقد أثار انتباهي أثناء زيارة لدولة الإمارات العربية عدة مشاهدات تؤكد أن التطوير لابد أن يكون جذرياً وأن التطوير أيضاً لا يحتاج (دائماً) إلي إمكانيات؛ فمطار ((دبي)) الدولي الجديد هو بمثابة تحفة معمارية وإدارية أيضاً يبهر كل من يزوره ويجبره أيضاً باحترام علي اتباع السير والمرور بالاتجاهات المحددة دون الحاجة إلي أن يسأل أو يتساءل. إلا أن الأهم وسط كل هذا التراكم التكنولوجي لأجهزة التعامل مع الأعداد الكبيرة المتزايدة هو المظهر العام أو النسق الذي يضم كل العاملين فيه، حيث يمكنك بسهولة التعرف عليهم والتعامل معهم.. فضلاً عن الهدوء الذي ينتشر في أرجائه. وبرغم أحداث سبتمبر الأخيرة وانعكاساتها علي الجميع إلا أن مدينة ((دبي)) شهدت تزايداً في أعداد السائحين والزوار خلال الربع الأخير من العام الماضي (سبتمبر – ديسمبر 2001) فضلاً عن زيادة حجم المبيعات عن المخطط لها.
ومن بين ما يثير الاهتمام أيضاً هو بدء التعامل ((بالدرهم الإليكتروني)) تلك البطاقة الذكية المدفوعة القيمة مقدماً التي يمكنك من خلالها سداد الرسوم الحكومية والتعامل بها في المصالح الحكومية لقضاء المعاملات الرسمية.. كاستخراج الجواز والبطاقة الشخصية دون الحاجة إلي التعاملات النقدية وما يتبعها من تحصيل وتوريد وتسجيل وتسليم وردية ومخالفات واختلاسات، وهذا المسلسل الإداري المعقد المرتبط بالنقد ومسئوليتها. هي يمكن التفكير، مثلاً، في التخلص من الطوابع والتمغات واستبدالها بأداة أخري تعفي المواطن من الذهاب خصيصاً لمكتب البريد؟ هلي يمكن استدعاء نماذج ((التربية والتعليم))، تقديم شكاوي للشرطة، الإبلاغ عن سرقة سيارة، تقديم اقتراح لأحد المسئولين من خلال أجهزة الإنترنت بدلاً من انتقال المواطن إلي هذه الأماكن أو إرسالها بريدياً؟ هل يمكن أن تتغير فلسفة الصادر والوارد بكل أدواته العتيقة في بعض أجهزة الدولة، وكذلك دفاتر الحضور والانصراف لتزداد دقة وتقدماً؟ ولماذا لا يستخدم ((الجنيه الإليكتروني)) في حالة تطبيقه في سداد المعاملات الحكومية البسيطة مما ييسر علي المواطن ومقدم الخدمة علي السواء ويعفيهما من انتظار الدور أو انتظار المردود بقشيشاً كان أو رشوة أو كلمة طيبة أو غير طيبة أو نظرة تحمل ألف معني ومعني؟
يراهن ((بيل جيتس)) علي أن الآلة ستفكر بسرعة التفكير البشري وبنفس درجة تكامله، وأن الإنسان الآلي سيمكنه الحصول علي درجات علمية عالية، وأن جميع الحواس الإنسانية سيتم توظيفها بالحاسبات لتري وتسمع وتشم وتحس بعد ما يتم تحويل جهازها العصبي من جهاز سلكي أو لاسلكي إلي جهاز عصبي رقمي Digital Nervous System. والأهم من ذلك أنه يدعونا إلي تصديق ذلك ويتوقع أن يتوصل إلي ذلك خلال أربع سنوات؛ حيث ستبدأ البشرية في أن تعيش نمطاً من الحياة يختلف تماماً عما قبله كما اختلفت البشرية بغد اختراع الكهرباء والتليفون والطائرة.. بل ربما أكثر إثارة.
إن استخدام الجنيه الإليكتروني سيسهل علينا مهمة الوقوف أمام نوافذ تلقي الخدمة أو الحصول علي ((الأوراق أو الملف)) الخاص بمصالحنا (ملف تحويل طالب أو تلميذ من مدرسة إلي أخري واعتماده من أكثر من جهة أو مديرية في أكثر من منطقة – أوراق استخراج جواز سفر أو بطاقة شخصية- أو فحص فني لسيارة – أو الحصول علي إذن للسفر للخارج للطلبة أو المطلوبين للتجنيد – أو للتقدم لشغل وظائف للحكومة)، ويعفي المواطنين كذلك من الاستيقاظ مبكراً لحجر الأماكن الأولي أمام بعض الخدمات الحكومية النادرة والحيوية أيضاً بالنسبة لهم.
لقد بدأت دولة ((الكويت)) في استخدام بطاقات مماثلة لحساب قيمة استهلاك المواطن من الكهرباء كبديل للمحصل التقليدي؛ حيث يمكن للمواطن ((شحن العداد الخاص به)) بمبالغ نقدية محددة تمكنه من التمتع بالتيار الكهربائي لفترة زمنية يحددها هو، ينقطع بعدها التيار في حالة عدم سداده للقيمة المقررة.. مع إعطائه فترة سماح وعدم قطع التيار مساءً.
ويمكن أيضاً استخدام الجنيه الإليكتروني في محطات البنزين التابعة للدولة للتخفيف من الازدحام في فترات الظهيرة أو الصباح الباكر، وكذلك يمكن استخدامها بعدادات الغاز في المنازل بدلاً من تلك الزيارة الشهرية الإجبارية للمندوب أو المحصل الذي عليه أن يدخل شقتك مرة شهرياً لقراءة عداد الغاز.
إن رئيس شركة ((كوكاكولا)) العالمية يدرس الآن مشروعات مد أنابيب للمياه الغازية إلي الأماكن ذات الاستهلاك الكبير (المستشفيات، المعسكرات، المدن الجامعية، المطاعم الكبيرة) بما يوفر تكاليف النقل والاسترجاع والحساب وكل هذا الحمل الثقيل من المصروفات التي يتحملها المشتري في النهاية، وقد تُفاجأ معي في القريب العاجل بأنابيب إضافية للمياه الغازية بمنازلنا أو بمنازلهم.. فهل ما جاء علي لسانه حلم أم حق أم وهم؟
يقول المثل إن ((الأيدي البطالة هي ملعب للشيطان)) و ((النفس اللوامة هي مرتع للشك والريبة)) و ((العقول الخاوية هي أطلال تسكنها الخفافيش وينعق فيها البوم والغربان))، وتلك هي ثلاثية الخيبة والتراجع والانسحاب بسبب تناول بعض مثبطات الهمم من قبيل ((لسه بدري))، ((أحنا فين وهم فين))، ((ما فيش فايدة))، ((أسمع من هنا وفوت من هنا))، و ((إن هذا التقدم هو من علامات الساعة)). إلا أن السؤال الذي سيظل مطروحاً هو لماذا تتقدم الكرة الأفريقية؟ ولماذا ينجح مهرجان تسوق ((دبي))؟ ولماذا لم تخصص ((مصر)) جائزة لجودة الأداء الحكومي؟ ولماذا يتجهم موظف الخدمة؟ ولماذا نحاول إيقاف الفيل بإمساك ذيله.. فتلاحق الجمارك الركاب القادمين وتعبث بحقائبهم، وتترك فيل التهرب والتهريب للملابس حراً طليقاً؟ ولماذا لا تُرد الملابس المباعة ولا تستبدل؟ ولماذا علي الطالب أن يحضر المحاضر ونحن في عالم التعليم عن بُعد؟ وإلي أي مدي نحن نقترب من ساحة التكنولوجيا والمعلومات ومدن الإنترنت حيث الحياة والعمل من خلال الشبكة أفضل وأمتع كثيراً؟
هناك ستة أسئلة رئيسية تبين لنا ولجهاز الخدمة الحكومية مدي اقترابنا من الحكومة الإلكترونية، وهذه الأسئلة هي:
يتحدد ذكاء جهة الخدمة الحكومية بامتلاكها واستخدامها لتكنولوجيا المعلومات، فهل يساعد نظام المعلومات الحالي علي توفير البيانات DATA للإجابة علي أسئلة المواطنين والصحفيين والباحثين …… الخ؟
هل تتوفر نماذج إليكترونية لأهم الأنشطة والأعمال الداخلية؟ وهلي يمكن للمواطن استخدامها للحصول علي الخدمات التي يحتاجها؟
هل تساعد الأنظمة الإلكترونية علي زيادة التكامل بين أجزاء الجهة؟
هل يساعد نظام المعلومات علي معرفة المشكلات أو الأخبار السيئة بمواقع العمل ويمكن من سرعة الاستجابة لها؟
هل تعتبر درجة تطبيق النماذج الإليكترونية واستخدام نظم المعلومات أحد معايير تقييم الجهة الإدارية المسئولة عن الجهة؟
هل توجد لدي الجهة خطة لتطوير الكفاءات البشرية لديها باتجاه تطبيق النظم الإليكترونية؟
إن التغيير تفكير لا يرتبط بالإمكانيات قدر ارتباطه باليقين بأن ما لا نعرفه أفضل كثيراً مما نعرفه.
بقلم دكتور / عبدالرحمن توفيق