بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
مارس27


27/03/2009 11:13 ص RssIcon


الإدارة في الحضارات القديمة
egypt يسهل للقارئ في موضوعات الحضارات القديمة أن يجد الكثير من المفاهيم والأساليب الإدارية الموجودة حاليًا في كتابات وممارسات تلك الحضارات والتي مهدت لعصرنا الحديث أن يكون على ما هو عليه الآن من مدنية وتقدم ورقي.
نجد مثلا أن سيدنا سليمان (عليه السلام) وكان ملكًا، قد أشرف في عهده علي إبرام الاتفاقيات التجارية، والمشروعات الإنشائية، واتفاقيات السلام. وحتى قبل وجود حكام من أمثال سيدنا سليمان (عليه السلام)، نشأت الحاجة لإتباع طريق بعينه وأسلوب معين لحكم وإدارة الناس. وكان الكثير من الحكام يعتمد علي بعض الإتباع المقربين في تنفيذ سياستهم بعد القيام بعملية تفويض ما يلزم لهم من السلطات الكافية للقيام بالعمل المنوط بهم. ثم تطورت الصورة لتصبح مجلس استشاري للملك أو الحاكم. تلك المجالس التي ازدادت سلطتها بمرور الوقت وأصبح أفرادها قادة روحانيين أو دينيين في مقاطعاتهم، وليتمكنوا من التأثير في الإتباع والشعوب، قاموا بإنشاء العديد من القواعد والطقوس الواجب إتباعها، كما استخدموا أسلوب الخوف من القوى الطبيعية والتي كانت (ومازالت) خارج سيطرة الإنسان، والغيبيات، والخوف من غضب الآلهة كوسيلة للضغط علي الأفراد والتأكد من ارتباطهم بهذه القواعد والطقوس.
ومن الحضارات التي واكبت الحضارة الفرعونية التي تناولنا أساليبها الإدارية في الحلقة الأولي، حضارة ما بين النهرين والتي وإن كانت لا تسبق الحضارة الفرعونية زمنيًا، إلا أنها استمرت جنبا إلى جنب لفترة ليست بالقصيرة مع الحضارة الفرعونية الأم.
وأيضًا الحضارة العبرية والحضارة الصينية.
وسنتناول في هذه المقالة حضارة ما بين النهرين والحضارة العبرية والأساليب الإدارية التي اتبعتها هذه الإدارات لتصريف شئونها.
حضارة ما بين النهرين: الاسم اللاتيني Mesopotamia مشتق من الأصل اليوناني المكون من كلمتين Meso Potamia أى البلاد التي تقع بين الأنهار.
وقد أشار هذا المسمي إلى المنطقة التي تقع بين نهري دجلة والفرات من وجهة النظر اليونانية القديمة أو الإشارة إلى ما أسماه الجغرافيون المحدثون "بلاد الرافدين" إشارة إلى المنطقة الممتدة من جبال أرمينيا شمالاً إلى الخليج العربي جنوبًا.
وقد تميزت حضارة ما بين النهرين بثلاثة عصور مميزة هي عصر السومريين The sumerians، وعصر البابليين The Babylonians ، وعصر الأشوريين The Assyrians
عصر السومريين Sumer
أقام السومريون في المنطقة التي تمتد من بغداد وحتي الخليج العربي، وكان سرجون الأكدى (2340-2284 ق.م) هو أول من نجح في توحيد البلاد بقسميها الشمالي والجنوبي، وقد يكون هذا الملك هو أول من أرسي مقولة أن الإدارة تستند أساسًا على الموهبة والاستعداد الفطري. وتقول بعض المخطوطات التاريخية علي لسان "سرجون": حملتني أمي سرًا، فقد كنت مجهول الأب، ووضعتني في قارب نجاني منه من أعطاني للملك لأصبح ساقية، وتقربت إليه حتي أصبحت سيد القصر، وزاد نفوذي وقوي سلطاني، ورأيت من واجبي أن أتسلم مقاليد الحكم، فتخلصت من الملك وجلست على العرش".

سبق "سرجون" الكثير من علماء الإدارة في عصرنا الحديث في توضيح أهمية الاستعداد الطبيعي والموهبة الفطرية في ممارسة الإدارة. ويتبع هذا المبدأ (الإدارة فنًا وليس علمًا) العديد من دول أمريكا اللاتينية والتي تنظر إلى الإدارة علي أنها فنًا يقوم علي الإيمان بقدرة الفرد الحدسية وخصائصه الفردية علي الإدارة.
كان المعبد عند السومريون هو مركز الإشعاع الفكري ومحور العملية الإدارية. حيث أشرف الكهنة علي جميع العمليات الإدارية كتخزين القمابين والبيع والشراء والإشراف على المهن الصناعية التي كانت جزء من المعبد كصناعة النسيج والصياغة والمناجم.
ونبغ السومريون أيضًا في استخدام الأساليب الرقابية حيث تثبت المخطوطات القديمة التي عثر عليها من هذه الفترة وجود أنظمة رقابية دقيقة ووسائل الرقابة الإدارية، حيث كان كهنة المعابد يجمعون ويراقبون كميات هائلة من القرابين بما فيها قطعان المواشي وأسراب الطيور والمحاصيل الزراعية بما تستلزمه من تقديم تقارير دورية مكتوبة لأساليب التدبير والتصريف تقدم إلى رئيس الكهنة.
وكان تسجيل البيانات والمعاملات المختلفة يتم على ألواح من الطين بكل منها رقم خاص. ويعتبر تنظيم ألواح الطين وترقيمها في دور السجلات والمحفوظات بالمعبد سبقًا في الوعي الإداري وأساسًا لما يعرف اليوم بنظم الأرشفة.
وقد سبق السومريين العالم كله في استخدام التوقيعات التي كانت تتضمن الإقرار بصحة البيانات.
عصر البابليين Babylonia
سيطر الملك حمورابي (1728 – 1686 ق.م) على الوضع الحضاري السائد في حضارة ما بين النهرين، واتخذ بابل مقرًا للحكم.
وقد دونت المعاملات البابلية في جداول Tables كوسيلة للرقابة، حيث تمدنا هذه الجداول لأول مرة بالمبدأ الإداري القائل بأن المسئولية لا تفوض ويتضح ذلك من خطاب عثر عليه مؤخرًا، يأمر فيه الملك عشرة رجال بالعمل في تشييد قناة. وذكر الملك في خطابه إنه إذا لم يتم العمل بالصورة المناسبة فإن صاحبه هو الذي سيعاقب وليس القائمين بالعمل الفعلي.
وتظهر الفلسفة الإدارية لهذا العصر بصورة واضحة في "قانون حمورابي" الذى كان بمثابة دستور لإدارة الدولة، يحتوي علي 282 مادة مقسمة إلى ستة أبواب رئيسية هي الأموال المنقولة، وملكية الأراضي، والتجارة، والأسرة، والأضرار، والعمل وباستعراض المواد المكونة للقانون نجد أنها تغطي الكثير من جوانب الفلسفة الإدارية السائدة حيث تناولت أحوال والتزامات الموظفين بصفة عامة، كما رسمت الطريق للموظفين العموميين لما يجب أن يطبقوه من قواعد في كل الشئون العامة المتعلقة بالقضاء والحكم والدين والمحاسبة حيث تناول القانون فيما تناول موضوعات السرعة وأنواعها وأحكامها، والقروض وأنواعها وفوائدها، والرهونات واستحقاقاتها وعقوبات تبديدها، وتقنين مسائل التجارة والبيع والإيجار والتملك، كما تناول القانون بالتفصيل الأسرة وعلاقات الزواج والطلاق والإرشاد والتبني، وحقوق المرأة.
وفي الواقع فإن قانون حمورابي تضمن الكثير من الأمور التي تنم عن وعي إداري مبكر وإطار فكري إداري متقدم منها ما يلي من مقتطفات من القانون:
• في وضع حد أدني للأجور:
"إذا أستأجر أحدهم أحد عمال الحقول، فإنه يجب أن يدفع له 8 "جوس" GUS من الحبوب كل سنة".
• في الأجور والحوافز:
"إذا جبر جراح عظام أحد النبلاء، أو عالج عضلاً متقلصًا فشفاه، مقلي المريض أن يدفع 5 شيكلات من الفضة أجرة إلى الجراح".
• الإهمال في تأدية العمل:
"أن عامل البناء الذي يبني منزلاً ثم يسقط فيقتل المقيمين فيه، يحكم عليه بالموت".
• تحديد المسئولية والتفويض:
"إذا مات طفل وهو تحت رعاية ممرضة، وكانت هذه الممرضة قد أحلت ممرضة أخرى بدلاً منها دون رضاء أو موافقة والد الطفل ووالدته، فإنه يجب استئصال صدرها".
• في الرقابة:
"إذا أعطي امرؤ لآخر فضة أو ذهبًا على سبيل الوديعة، فإن كل ما يودعه الفرد يجب أن يظهره إلى شاهد، وأن يكتب عقدًا بذلك ثم يودع الوديعة.

ويتضح من البنود السابقة وغيرها أن قانون حامورابي استند في فلسفته الإدارية علي الكثير من المبادئ والأصول الإدارية السائدة اليوم (مع اختفاء عقوبة قطع الصدر طبعًا)، وذلك مثل تحديد المسئولية وتقدير المكافآت وتحديد الحد الأدنى لها والقضاء على الإهمال.
بعد ما يزيد على الألف عام حكم بنو خذ نصر Nebuchadnezzar والذى استخدم الألوان كأسلوب ووسيلة للرقابة على الغزل الذي يدخل المصانع كل أسبوع، حيث أعطي اللون الأحمر لغزل هذا الأسبوع ثم الأزرق للغزل الذي يصل في الأسبوع الذي يليه وهكذا وأصبح بذلك لدى الإدارة وسيلة رقابية فعالة توضح مدي تقادم المواد الخام في المخزن وفترات استخدامها. واتبع نفس النظام في الغلال وذلك بتلوين فوهة الآنية المخزن بها الغلال ولكل عام اللون الخاص به. ومن ناحية أخري كانت الجور التي تدفع للنساء اللاتي تعملن في عمليات الغزل والنسيج في صورة أطعمة، وكانت كمية الطعام تتوقف على الإنتاج الفردي للعاملة، وهو بلا شك أسلوب تحفيزي سليم يقوم علي أساس ربط الحافز بالإنتاج.

الحضارة العبرية:
والتي تنتهي بها هذه الحقبة الزمنية من تاريخ الإدارة بمر العصور كان سيدنا موسي (عليه السلام) مديرًا وقائدا ناجحًا، برزت قدرته علي الحكم القوي وعلي صياغة القوانين وفهم وإدراك طبيعة العلاقات الإنسانية وليس أول على ذلك من إعداده وتنظيمه وتنفيذه لعملية الهجرة الجماعية للعبريين من مصر.
وفي القصة التالية ملخص سريع لنظرة الحضارة العبرية إلى الإدارة بمفهومها العصري.
لاحظ سيدنا شعيب أن صهرة سيدنا موسي يقضي الكثير من الوقت في الاستماع إلى وحل مشاكل قومه، ولاحظ سيدنا شعيب مدي الارهاق الذي يعانيه سيدنا موسي للقيام بهذا العمل، فسأله لماذا يفعل كل هذا، فرد عليه قائلا أن الناس تأتي إليه تقربًا إلى الله ولحل مشاكلهم وهي كثيرة، هذا بالإضافة إلى تعليمهم قوانين الله وأحكامه وحكمته. وكانت إجابة شعيب أن العمل بهذه الطريقة مرهق وسيقضي على موسي.. "لأنك غير قادر على القيام بكل هذا العمل بمفردك (نطاق الإشراف، عليك أن تعلمهم القوانين الإلهية وتدلهم علي الطريق، وأن تخبرهم بالعمل الذى يجب عليهم القيام به (تحديد الاختصاصات) واختر من هؤلاء الأفراد المحبون للحق والمراعين لإحكام الله، (اختيار القيادات الإدارية) ونصبهم لرئاسة باقي الأفراد ليكونوا حسب قدراتهم، حكامًا للآلاف منهم أو حكامًا للمئات أو حكامًا للعشرات منهم (مبدأ التدرج الهرمي للسلطة) ودعهم يقدمون النصح والإرشاد للناس في كل المناسبات، علي أن يعرضوا عليك الأمور الهامة فقط، أما بالنسبة للأمور البسيطة فإن عليهم أن يتخذوا الرأي بشأنها (مبدأ الاستثناء) فإن ذلك ييسر عليك وسوف يجعلهم يشتركون في العبء معك (الإدارة بالمشاركة).
ويتضح من نصيحة سيدنا شعيب لسيدنا موسي إدراك العبرانيين للحاجة إلي تفويض السلطة ومبدأي نطاق الإشراف والاستثناء، وأهمية التدرج الهرمي للسلطة، وتحديد الاختصاصات إلى آخره من المفاهيم الإدارية الأساسية التي مازال يجري العمل بها حتى اليوم في المنشآت المختلفة.
وإلى اللقاء في العدد القادم مع الحضارة الصينية وأساليبها الإدارية

Tags:
Categories:

1 التعليقات...


Gravatar

رد: التطور الإداري عبر العصور

The Management Myth
Why th
e Experts Keep Getting it اعتدنا في عالم الأعمال على وجود بيوت خبرة استشارية عالمية يتمنى كل خريجي ماجستير إدارة الأعمال الانضمام إليها. بالمقابل يستنزف المديرون التنفيذيون موارد شركاتهم عندما يستعينون بخبراء ومستشارين من تلك الشركات. تؤكد خلاصة "خرافة الإدارة" أن شركات الاستشارات الإدارية تساهم في ترسيخ سوء فهم حول مداخل نجاح المؤسسات، مما يؤدي إلى تجاهل الأسس الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي يعتمد عليها وجود المؤسسات وازدهارها، وتشير إلى أن مهنة الاستشارات الإدارية تخطئ عندما تعتبر الإدارة علمًا خالصًا وهذه نظرة تنم عن ضيق الأفق. ولذا فالهدف الرئيس لهذه الخلاصة هو إضفاء لمسة فلسفية إنسانية على عالم الأعمال مع التقليل من حدة التفكير العملي المجرد.

www.edara.com/Khulasat/The_Management_Myth.aspx

بواسطة rehab123 في  15/01/2011 02:08 م