بحث في المقالات
Print  
عرض المقالات
اغسطس2


02/08/2008 03:35 ص RssIcon

العرب خارج قوائم أكثر الدول بحثا عن العلوم والسياسة ويحتلون المركزين‏3‏ و‏5‏ بقائمة أكثر الدول بحثا عن الجنس‏...‏ و اللغة العربية تخسر المرتبة الأولي بقوائم البحث عن كلمات علوم‏-‏ اقتصاد‏-‏ دينفي رد فعل تلقائي علي خبر اختيار مصر لرئاسة المنتدي الدولي للإنترنت الذي أفردت له بعض الصحف مساحة واسعة الأسبوع الماضي اتصل بي أحد القراء في اليوم نفسه معلقا‏:‏ جيد أن نرأس المنتدي الدولي للإنترنت‏,‏ لكن هل سألنا أنفسنا كمصريين وعرب‏:‏ ماهي علي وجه التحديد الأشياء التي نبحث عنها علي الإنترنت التي سنرأس منتداها؟‏..‏

والحقيقة أنني وجدت السؤال في محله توقيتا وموضوعا‏,‏ فمنذ ثماني سنوات أو يزيد قليلا بدأنا كمصريين وعرب إدخال الإنترنت في مجتمعاتنا وفتحنا أمامها طرقا سريعة واسعة الانتشار أوصلتها لملايين المنازل والمقاهي العامة ومقار العمل‏,‏ وحتي الآن لم يبادر أحد بتوفير آلية علمية رصينة ومستمرة تجيب عن هذا التساؤل البسيط‏,‏ وحينما حاولت من جانبي الوصول لإجابة وجدت مشهدا يبعث علي الأسي وأقرب للفضيحة‏,‏ فاتجاهات البحث علي محرك بحث جوجل ـ أكبر محرك بحث علي الإنترنت ـ تقول إن البلدان العربية ومدنها ولغتها تظهر في مقدمة قوائم المناطق الباحثة عن الجنس‏

وتتراجع أو تختفي تماما من قوائم المناطق الباحثة عن العلم والاقتصاد والسياسة‏,‏ وتقول أيضا أن المدن الإيرانية واللغة الفارسية تتفوقان تفوقا ساحقا في قوائم المناطق الباحثة عن العلم باللغة العربية‏,‏ وهو وضع لا يختلف كثيرا عما يحدث علي أرض الواقع‏,‏ فبينما العرب يسبقون الدنيا في إنشاء الفضائيات الفجة الخليعة اللاهية‏,‏ نجد الإيرانيين يصارعون العالم ببرنامجهم النووي‏.‏

لم أشأ أن تكون الإجابة عن هذا التساؤل عفوية أو انطباعية من واقع المعايشة والمتابعة‏,‏ بل حرصت علي أن تكون مستندة قدر المستطاع إلي منهجية لها احترامها ومصداقيتها‏,‏ ولتحقيق ذلك قمت يوم الخميس الماضي‏'24‏ يوليو‏2008'‏ بجولة مطولة في صفحة‏'‏ اتجاهات البحث في جوجل‏',‏ التي تضم برنامجا متخصصا مهمته رصد وتتبع اتجاهات وأنماط عمليات البحث عن المعلومات والموضوعات المختلفة التي تنطلق عبر الإنترنت من مناطق العالم المختلفة باستخدام محرك بحث جوجل‏,‏ وهي تشكل أكثر من نصف عمليات البحث التي تتم علي الشبكة يوميا‏.‏

وأقول مقدما إن برنامج اتجاهات البحث في جوجل لا يطرح نتائج قاطعة مانعة في هذا الأمر المعقد والخطير‏,‏ كما أن كلمات البحث المفتاحية التي استخدمتها في التحليل جاءت باجتهاد شخصي ولا أزعم أنه يتوافر لها المنهجية العلمية الدقيقة الكاملة‏,‏ لكن في النهاية هي محاولة استهدفت الحصول علي مؤشرات مبدئية أولية عن شيء في الأفق نشعر به جميعا ويراه البعض عابرا لا يستحق الانتباه ويراه البعض الآخر ناقوس خطر يقرع بعنف‏.‏

ومن يرد استخدام برنامج اتجاهات البحث علي جوجل فعليه تحديد كلمات بحث‏'‏ مفتاحية‏'‏ مناسبة يقبلها البرنامج في أي فرع من فروع المعرفة‏,‏ مثل‏'‏ سياسة ـ اقتصاد ـ فن‏..‏ ألخ‏'‏ وحينما يتم إدخال الكلمات بالبرنامج يقوم برصد وتحليل عمليات البحث المنطلقة من كل مدينة أو دولة أو منطقة حول العالم في مجالات المعرفة التي تحددها هذه الكلمات المفتاحية‏,‏ ثم يعرض النتيجة في شكل رسوم توضيحية تشرح معدلات وحجم عمليات البحث في هذا المجال عبر فترة زمنية تمتد من‏2004‏ إلي‏2008',‏ ثم يقدم البرنامج ثلاث قوائم‏,‏ الأولي تضم أكبر عشر دول انطلقت منها عمليات البحث في المجال المحدد‏,‏ والقائمة الثانية تضم أكبر عشر مدن انطلقت منها عمليات البحث عن الموضوع نفسه‏,‏ والثالثة تعرض أكبر عشر لغات استخدمت في تلبية طلبات البحث‏,‏ وباستطاعة البرنامج المقارنة بين مجالين إلي خمسة مجالات معا في رسم توضيحي واحد‏,‏ فيمكن مثلا التعرف علي مستوي عمليات البحث في العلوم مثلا مقارنة بمستوي عمليات البحث في الجنس‏,‏ أو مقارنة الجنس بالسياسة بالدين بالرياضة معا‏,‏ أما القوائم فتعرض النتيجة المتعلقة بمجال أو كلمة مفتاحية واحدة فقط‏.‏

وعند استخدامي لهذا البرنامج أدخلت ست كلمات مفتاحية رأيت أنها تمثل عينة بإمكانها تقديم إجابة معقولة علي السؤال‏,‏ وهذه الكلمات كانت‏(‏ سياسة ـ اقتصاد ـ دين ـ علوم ـ رياضة ـ جنس‏)‏ ومقابلها بالإنجليزية وهي‏(Politics-Economy-Religion-Science-Sports-sex),‏ وأجريت التحليل مرة باختيار كل مناطق العالم بالكلمات المفتاحية العربية لمعرفة أكبر عشر دول وأكبر عشر مدن تبحث عن هذه المجالات بالكلمات المفتاحية العربية وأكبر عشر لغات قدمت مواد ونتائج في هذه المجالات عند البحث عنها بالكلمات المفتاحية العربية‏,‏ ثم أجري التحليل مرة ثانية باختيار كل مناطق العالم بالكلمات المفتاحية الإنجليزية لمعرفة أكبر عشر دول وأكبر عشر مدن تبحث في هذه المجالات بالكلمات المفتاحية الإنجليزية وأكبر عشر لغات قدمت مواد ونتائج في هذه المجالات عند البحث عنها بالكلمات المفتاحية الإنجليزية‏,‏ وفي دورة بحث تالية قصرت الاختيار علي مصر ومدنها فقط بالعربية والإنجليزية‏,‏ وحصلت علي نتائج عديدة أعرض منها اليوم جزءا مما هو متعلق بالدول والمدن واللغة العربية ككل‏.‏

قوائم الدول
عند البحث بالكلمات المفتاحية العربية كانت النتائج المتعلقة باتجاهات البحث علي مستوي الدول كما يلي‏:‏

ـ احتلت السودان المرتبة الأولي كأكبر دولة خرجت منها عمليات بحث عن كلمة‏'‏ سياسة‏'‏ تلتها ليبيا ثم سوريا ثم الجزائر فاليمن فالأردن فعمان فمصر ففلسطين وأخيرا لبنان‏,‏ أما باقي الدول العربية الأخري فلم تخرج منها عمليات بحث بالعدد الكافي للظهور ضمن قائمة الدول العشر الأولي‏.‏

ـ احتلت إيران المرتبة الأولي كأكبر دولة خرجت منها عمليات بحث عن كلمة‏'‏ اقتصاد‏'‏ وتلتها سوريا ثم الجزائر فالأردن فالكويت فالإمارات فمصر فالسعودية فالبحرين ثم المغرب في المرتبة الاخيرة‏,‏ أما الدول العربية الأخري فلم تظهر بالقائمة‏.‏

ـ احتلت البحرين المرتبة الأولي كأكبر دولة تبحث عن كلمة‏'‏ دين‏'‏ وتلتها إيران ثم السعودية فسوريا فمصر فليبيا فعمان فالأردن فاليمن ففلسطين‏.‏

ـ احتلت إيران المرتبة الأولي باعتبارها الدولة صاحبة أكبر عمليات بحث تسعي وراء كلمة‏'‏ علوم‏'‏ وتلتها في ذلك السودان ثم اليمن فالأردن فعمان فالجزائر فسوريا فمصر فالبحرين ثم المغرب كمرتبة عاشرة‏.‏

ـ تصدرت سوريا قائمة الدول صاحبة أكبر عمليات بحث عن كلمة‏'‏ رياضة‏'‏ وتلتها اليمن ثم ليبيا فالسودان فمصر فالأردن فاليمن فالبحرين ففلسطين ثم السعودية‏.‏

ـ كشف التحليل عن أن اليمن هي صاحبة أكبر عمليات بحث عن الجنس وصلت إلي جوجل تلتها ليبيا ثم سوريا فالسودان فمصر فالأردن ففلسطين فعمان فالسعودية ثم البحرين‏.‏

ـ حينما استخدمت الكلمات المفتاحية الإنجليزية وراجعت قوائم المراكز العشرة الأولي المرفقة بالرسوم التوضيحية وجدت أن جميع الدول العربية اختفت من قوائم البلدان الاكثر بحثا عن السياسة والاقتصاد والعلوم والرياضة والدين‏,‏ وظهرت دولتان فقط في قائمة الجنس‏,‏ وهما مصر في المرتبة الثالثة والمغرب في المرتبة الخامسة‏.‏

قوائم المدن
يعرض جوجل كما قلت قوائم لأكبر عشر مدن علي مستوي العالم خرجت منها عمليات بحث تتعلق بالكلمات المفتاحية المستخدمة‏,‏ وفي هذا الصدد وجدت ما يلي‏:‏

ـ احتلت الخرطوم المرتبة الأولي في قائمة أكبر عشر مدن خرجت منها عمليات بحث عن كلمة‏'‏ سياسة‏'‏ وتلتها دمشق ثم الجزائر فطرابلس فالجيزة فعمان فالقاهرة فمسقط فالإسكندرية فبيروت‏.‏

ـ احتلت المدن الإيرانية القائمة الكاملة لأكبر عشر مدن في العالم خرجت منها عمليات بحث عن كلمة‏'‏ اقتصاد‏',‏ وهذه المدن كانت علي التوالي‏:‏ زهيدان وزانجان واراك وبندرعباس ويزد وهمذان وتبريز وجيمنشاه وطهران ثم جورجان في المرتبة الأخيرة‏.‏

ـ تصدرت مدينة المنامة بالبحرين قائمة أكبر عشر مدن تبحث عن كلمة‏'‏ دين‏'‏ واحتلت المركز الأول‏,‏ وتلتها خمس مدن إيرانية هي علي التوالي تبريز ومشهد وشيراز واصفهان فطهران‏,‏ ثم ثلاث مدن سعودية هي الرياض وجدة والظهران علي التوالي‏.‏

ـ احتلت المدن الإيرانية جميع مراكز قائمة أكبر عشرمدن تبحث عن كلمة‏'‏ علوم‏',‏ وجاءت في المقدمة مدينة كيمنشاه تلتها علي التوالي تبريز وهمذان وبابول وشيراز ومشهد وقم ويزد واخيرا اصفهان‏.‏

ـ في ميدان الرياضة احتلت دمشق المركز الأول في قائمة أكبر عشر مدن تبحث عن كلمة‏'‏ رياضة‏'‏ وتلتها مسقط والخرطوم وطرابلس والقاهرة والجيزة والاسكندرية وعمان والمنامة ثم الظهران‏.‏

ـ جاءت العاصمة اليمنية صنعاء في المرتبة الأولي بقائمة أكبر عشر مدن تبحث عن كلمة‏'‏ جنس‏'‏ وتلتها طرابلس في المرتبة الثانية ثم الجيزة والخرطوم ودمشق والقاهرة والاسكندرية وعمان وجدة والرياض علي التوالي‏.‏

ـ عند البحث بالكلمات المفتاحية الإنجليزية اختفت المدن العربية من قوائم أكبر عشر مدن تبحث عن السياسة والاقتصاد والدين والعلوم والرياضة‏''Politics-Economy-Religion-Science-Sports,‏ وظهرت مدينة عربية واحدة في قائمة أكبر عشر مدن في العالم تبحث عن الجنس‏sex,‏ وهي مدينة القاهرة التي احتلت المرتبة الثالثة بالقائمة‏,‏ ولفت نظري أن المدن الهندية تحتل المركزين الأول والثاني في قائمة أكبر عشر مدن عالمية تبحث عن الاقتصاد‏Economy,‏ والمراكز الثلاثة الأولي في قائمة أكبر عشر مدن تبحث عن العلوم‏Science.‏

قوائم اللغات
عند تحليل قوائم اللغات التي تظهر مع الكلمات المفتاحية السابقة اتضح ما يلي‏:‏

ـ عند استخدام اللغات المفتاحية العربية تصدرت اللغة العربية القوائم المتعلقة بكلمات‏'‏ سياسة ـ جنس ـ رياضة‏'‏ واحتلت فيها المركز الأول‏,‏ بينما تصدرت اللغة الفارسية القوائم المتعلقة بكلمات‏'‏ اقتصاد ـ علوم ـ دين‏'‏ واحتلت فيها المركز الأول

ـ ظهرت لغات أخري إلي جانب العربية والفارسية عند البحث بالكلمات المفتاحية العربية كالإنجليزية والفرنسية والعبرية والألمانية‏.‏

ـ عند استخدام الكلمات المفتاحية الإنجليزية اختفت العربية تماما من جميع القوائم ما عدا قائمة الجنس‏sex‏ التي احتلت فيها العربية المركز الثالث‏,‏ واحتلت الإنجليزية المركز الاول في أربع قوائم هي السياسة‏Politics‏ والاقتصاد‏Economy‏ والعلوم‏Science‏ والرياضة‏Sports,‏ واحتلت الأسبانية المركز الأول في قائمة البحث عن الدين‏Religion‏ والفيتنامية قائمة البحث عن الجنس‏sex,‏ وفي المراتب التالية ظهرت لغات أخري كالفرنسية والهولندية والدنماركية والتركية والصينية‏.‏

وأخيرا كشف التحليل عن أنه خلال الفترة من عام‏2004‏ وحتي‏2008‏ كان حجم عمليات البحث عن كلمات‏'‏ سياسة ـ اقتصاد ـ علوم‏'‏ في مرتبة‏'‏منخفض‏',‏ أما حجم عمليات البحث عن كلمات‏'‏ جنس ـ رياضة ـ دين‏'‏فكان في مرتبة‏'‏ متوسط إلي عال‏',‏ وسار اتجاه البحث عن‏'‏ السياسة‏'‏ في مسار تنازلي خلال هذه الفترة‏,‏ بينما اتخذ مسار البحث عن‏'‏ دين ـ علوم ـ رياضة ـ جنس ـ اقتصاد‏'‏ مسارا تصاعديا خلال الفترة نفسها‏,‏ ولوحظ أيضا أن حجم عمليات البحث عن كلمة‏'‏ جنس‏'‏ كانت هي الوحيدة بين جميع الكلمات المفتاحية التي حافظت علي مرتبة‏'‏ متوسط وعال‏'‏ وعلي الاتجاه التصاعدي معا‏,‏ سواء في الكلمات المفتاحية العربية أو الإنجليزية‏..‏ ولا شك أن النتائج السابقة تولد انطباعا بأنه في الوقت الذي ينقب فيه العالم عن كنوز الشبكة ينشغل العرب بالتفتيش في قمامتها‏..‏ وإلي الأسبوع المقبل‏.‏

 


جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net

1 التعليقات...


رد: طبقا لبرنامج اتجاهات البحث في جوجل العالم ينقب عن كنوز الإنترنت‏..‏ والعرب يفتشون في قمامتها

شكرا لك أخي العزيز على التوضيح الرائع والمعلومات الواردة عن النتائج
وهذا سببه أعتقد أن معظمنا يعرفه جيداً أو البعض يتغافل عنه للأسف!!

ليست النتائج موجه لدولة معينة أو فرقه بعينها ولكن المقصود بها العقل العربي .. قد ورد في مقالكم أن معظم البلدان العربية باحثة عن الجنس فمن وجة نظري أوضح في تلك السطور ماهية الأسباب.....
مشكلتنا في الوطن العربي نبحث عن الحلول السريعة ولا ننظر للحلول الجذرية التي تعطينا السعادة فيما بعد.
- ألا يعلم الجميع من الباحثين أن العقل العربي من أذكي العقول في العالم؟!! ولكن للأسف سياسات التعليم وإستراتيجيته المطبقة كان لها التأثير السلبي على تدعيم الصفات السلبية التي تبنها العقل العربي بداية من الخوف والجبن ونهاية عدم تشغيل عقله في التفكير ولو للحظات.. وهذا ما أكده ألبرت اينشتاين ذات يوم في عصره وكأنه يعيش معنا في عالمنا العربي الآن، بأن الأساليب التربوية المتبعة في أنظمة التعليم والتي كانت تعتمد على الحفظ والتلقين فقال "لقد كان على المرء أن يحشو عقله بكل هذه المواد، سواءً أكان يحبها أم لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلغ من سوئه على إنني وجدت عندما اجتزت الامتحان النهائي، أن النظر في أية مشكلات علمية أمر بغيض لمدة عام كامل).
- لماذا لا نسأل عن أين تقع جامعاتنا بين جامعات الغرب، وأين تقع مدارسنا والمعاهد، فإنما نسأل عن بيئتنا أين تقع من سائر هذه البيئات؟!!

أننا في مجتمعاتنا ندفع ثمن طريقة التفكير السلبي وآفاته، ولا يزال (الهوى) أكبر عيوب التفكير والذي عرّفه الراغب الأصفهاني فقال (الهوى ميل النفس إلى الشهوة، وقيل سُمّي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية) والحقيقة أن التعريف الجامع (هو ميل النفس إلى ملائمة جزءها الطيني) وكما تعرفون أن النفس مركبة (طينية – روحية)، لذلك ذمّ سبحانه إتبّاع الهوى وبيّن أنه يضل صاحبه عن الحق والصواب فقال: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) ص 26 وقال عز في علاه: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الكهف 28، (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) المؤمنون 71، وقد سمّى بعض مفكري الغرب الهوى بـ (التحيّز) فقالوا (هو طرق في التفكير تقررها سلفاً قوى ودوافع انفعالية شديدة، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية وارتباطاتنا الاجتماعية.

فما صنعه الغرب من منتجات حضارية كان وراءها الحث على ضرورة التفكير وضرورة التدقيق في هذا الكون الفسيح، والبحث الحثيث في قوانينه، وهذا الذي غفل عنه العرب وغفلت عنه أمة المليار ونصف المليار التي تدين بالإسلام، وتقرأ آيات التفكر والتدبر من محور طنجة إلى جاكرتا.

أما نحن العرب فلم نستطع المحافظة على صرح كبير بناه الأولون ممن فهموا سنن الله في الكون وسادوا الأرض بالعدل والإحسان، ففشلنا من بعدهم في المحافظة والاستمرار وكانت النتيجة تخلف على صعد عدة بفعل التفكير القاصر، والانحراف عن المقصد والمراد، وبدلاً من توجيه طاقاتنا الاستيعابية والتفكيرية نحو بناء الذات، والوقوف على خفايا الكون ولو بتقليد الآخرين في مثل هذا المجال، صرنا نتبع القشور من حياة الآخرين، ونصرف من أعمارنا وأوقاتنا، إلا من رحم الله، على اللهو والمجون، والمتاع الرخيص.

وهذه طبيعة الأمم المتخلفة - لو صح لنا أن نقول ذلك- التي لا تبهرها الحضارة من منطلقاتها، ولكن تبهرها الحضارة من منتجاتها، ولدينا على سبيل المثال المنتج الحضاري المتمثل في السيارات من كل الألوان والأصناف، فمن سابع المستحيلات أن تجد - إلا من رحم ربي- عربياً يفكر كيف صنعت هذه السيارة، بقدر ما يفكر على السيارة وكيف يقتنيها ويركبها؟!.

والأمثلة كثيرة ماثلة أمام أعيننا في كل الدول العربية، كيف أن كل ما يتحرك في الشوارع من سيارات هو من صناعة الغرب، وليس للعرب أي بصمة في ذلك سوى قيادة هذه السيارات، والتباهي بها، والموت بها في الحوادث.

وللأسف شاعت في السنوات الاخيرة هذه الفكاهة ولا اعلم مصدرها من أين أتي ولكن اختم تعليقي بها لانه لا يوجد كلام بعدها للأسف، وكانت موجهة خصيصاً للفرد العربي الذي أصبح خاملاً فكرياً لا يقدر على أن يشغل رأسه ربع ساعة من الزمن في شيء ينفعه وينفع أمته، تقول أن تاجراً يهودياً يبيع رؤوساً مختلفة للآدميين، من يابانيين، أمريكان، ألمان، وعرب، وقد كان الرأس العربي أغلى رأس في ذلك المتجر، بحيث أن بقية الرؤوس تقريباً تباع بأبخس الأثمان، وعندما سُئل البائع اليهودي عن سر غلاء الرأس العربي مقابل الرؤوس الأخرى، فقال أن السبب بسيط كون الرأس العربي لم يشتغل إطلاقاً، فهو مثل السيارة التي لم تعمل وعدادها يكون في الصفر.

شكرا لكم .. وتقبلوا تحياتي

الدكتور / رمضان حسين الشيخ

بواسطة الدكتور / رمضان حسين الشيخ في  22/08/2008 01:14 م

اسمك
Gravatar Preview
Your email:
(Optional) Email used only to show Gravatar.
Your website:
العنوان
التعليق
اضف تعليق  Cancel