ديسمبر29
29 ديسمبر, 2008 
بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق
هناك قاعدة ذهبية لإحداث التغيير.. سواء السلوكي أو الإداري، القاعة تقول إنه..
كلما زادت قوة وعمق ما نود تغييره كلما صعب إحداث التغيير المنشود ما لم تكون قوة التغيير أقوى مما نسعى لتغييره.
يسري ذلك على تعديل سلوك الأفراد أو المنشآت أو حتى سلوكيات الأمم والشعوب. وهناك أيضا قاعدة ذهبية أخرى لا تقل أهمية عن القاعدة السابقة، والقاعدة الثانية تقول إنه لا يمكن تحقيق الالتزام لدى الأفراد دون خلق حالة من الرضا والوضوح لديهم. فكيف لنا أن نلتزم بأمر أو قاعدة أو حتى عقيدة ما لم يكن الأمر بالنسبة لنا واضحا ومفيدا. تلك المقدمة قد تكون ضرورية قبل طرح بعض المشاهدات والسيناريوهات التي يواجهها المسافر بمطار القاهرة في رحلتي الذهاب والعودة، تلك المشاهد التي يشعر بها كل من المسافر لمرة واحدة أو للمرة الأولى وكذلك المسافر المحترف من رجال الأعمال أو السائحين.
هذه المشاهدات ليست من نشج الخيال أو تصورات عبثية افتراضية، ولكنها حالات عملية واقعية يتكرر حدوثها يوميا حتى تحولت إلى عرف سائد بين العاملين بمطار القاهرة. ويمكن التأكيد إنه كلما زادت مراحل سفرك وترحالك عبر المنفذ الدولي الرئيسي كلما تأكدت من ثبات هذه التقاليد واستقرارها إلى الحد الذي يدفعك إلى التسليم بأحد أمور ثلاثة:
أولا: إن العرف السائد والسلوكيات الحالية أقوى من محاولات تغييره.
ثانيا: إن المصالح الشخصية المترتبة على وجودها أكثر فائدة من المزايا الموضوعية المترتبة على تغييرها.
ثالثا: إن الإدارة الحالية سلمت بالأمر الواقع وكأن لسان حالها يقول ((لا فائدة)) وتحولت من إدارة مرئية إلى إدارة غائبة أو خفية Invisible Management.
والمشاهد كثيرة ومتعددة، لنبدأها بظاهرة يمكن أن نطلق عليها (نقاط الإكراميات الجبرية) فمنذ أن تطأ قدماك أرض المطار في رحلة الذهاب وعقب حصولك على عربة نقل الحقائب مقابل جنيهين (هذا النظام الفريد الغربي) تبدأ رحلة نقاط الإكراميات ابتداء بمن يدفع العربة، ثم من يرفع الحقائب على سير التفتيش، يتبعهما من يتلقاها من الناحية الأخرى من السير ليدفعها بضعة أمتار حتى كاونتر شركة الطيران، ثم حمالو بعض شركات الطيران المسئولين عن وضع الحقائب على الميزان. وفور أن يتخلص الراكب من حقائبه وكذلك من حراس بوابات الإكراميات الذين تتباين نظرتهم للراكب بين التهليل عند المنح إلى التأنيب عند المنع، فور تخلص الراكب من كل ذلك تبدأ سلسلة أخرى من الضغط من قبل عاملات النظافة اللاتي تركز همهن عند حد الوقوف أو التسكع أحيانا وتوجيه الدعوات للمسافر أو تقديم قلم لاستيفاء بطاقة السفر (ليس كرما ولكن طمعا في كرم) حتى صار وقت الانتظار والترقب من قبلهن يفوق وقت انشغالهم بالنظافة.
أما إن فكرت في استخدام دورات المياه فستواجه المجموعة الثالثة من نقاط الإكراميات، وهم عمال نظافة هذه الأماكن الذين يبادرون فور دخولك بتقديم ورق تواليت أو كلينكس (الشيء لزوم الشيء) وذلك من قبيل الذكاء الاجتماعي لزيادة الدخل والإيراد تماما كفكرة الدعاء بسلامة السفر أو تقديم القلم لاستيفاء البطاقة.
ومن المشاهد الإيجابية التي قد تحدث توازنا نفسيا عند المسافر هو اهتمام ضباط الجوازات وجديتهم وسرعتهم في الإنجاز فضلا عن معاملتهم الإنسانية التي شهدت تطورا ملحوظا في الفترة الأخيرة، فلم تعد نظرتهم إلى الركاب تلك النظرة التي كانت تتسم أحيانا بالتعالي أو تشوب أسئلتهم شبيهة الشك وعدم الثقة، وإن كنت أتساءل عن أسباب تأخر حدوث التغيير في أمرين على وجه التحديد:
الأول هو تطوير شكل وحجم جواز السفر المصري، فطالما توقعنا جواز سفر جديد يتمتع بما يتمتع به الجواز الحالي من سمعة دولية، من حيث صعوبة تزويره ويكون في نفس الوقت ملائما في الشكل والحجم مع باقي جوازات سفر الدول المتقدمة.
والأمر الثاني هو التخلص من بطاقة الجوازات التي يقوم الراكب باستيفائها عند السفر والعودة، لقد بادرت دول عربية عديدة، ومن قبلها دول أجنبية بإلغاء هذه البطاقة.. فهل من طريقة حديثة لتوفير هذا الجهد وللإسراع بحركة صفوف الانتظار خصوصا في أوقات الذروة عند الذهاب والعودة. إن النظم الحالية لاستخدامات الحاسب الآلى بالتأكيد لديها الإجابة على ذلك، إن لم يكن لديها أكثر من إجابة.
أما المشهد الثاني فهو عند الوصول إلى مطار القاهرة، سواء خلال ساعات الذروة أو غيرها، وكلاهما حافل كذلك بالعديد من السلوكيات التي يندر أن تجدها في مطارات أخرى: فبمجرد وصولك أرض المطار تبدأ ظاهرة (النداء العالي) وأقصد هنا النداء بصوت عال على أسماء لشخصيات مطلوبة إما لرعاية أفضل لكونهم من الشخصيات الهامة أو لأسباب أخرى عديدة. وأيا كانت الأسباب فالراكب العادي لا يفهم مبررا منطقيا لذلك، والراكب المتمرس من معتادي السفر لا يجد لهذا السلوك شبيها بالمطارات الأخرى، وتستمر موجة النداء العالي تحاصرك ابتداء من النزول من الطائرة وأمام طوابير الجوازات ومن موظفي البنوك الذين يتنافسون على الركاب لتحويل العملة ومن شركات الليموزين الي تتنافس هي أيضا على توصيل الركاب. وبين هذا وذاك عليك تدبير رسوم حصولك على عربة لنقل حقائبك إلى خارج المطار (جنيهان مصريان بالضرورة) مما يدخل السائح الأجنبي في حسبة برما لتوفير جنيهين مصريين حتى يحصل على عربة لنقل لحقائبه وخصوصا إذا كانت هذه هي زيارته الأولى لمصر.
ويأتي المشهد الثالث عند رجال الجمارك الذين يعتمدون بالدرجة الأولى على فراستهم وذكائهم الفطري في انتقاء من ستقع عليه أعينهم للتفتيش من عدمه ومن سيصدقون إجابته على أسئلتهم الأربع التقليدية المتوارثة وهي: من أين أتيت؟ وكم مكثت؟ هل لدين شيء يستحق رسوما؟ وما هي محتويات هذه الحقائب؟ ثم يبادر بحمل الحقائب لتقدير مدى ثقلها من ناحية وتقدير مدى صدق إجابتك من ناحية أخرى، ثم يختار إحداها لتفتيش محتوياتها أو يتركك إلى حال سبيلك، وكثيرا ما يفعلون ذلك بلباقة واحترام وتعاطف.
أما المشهد الرابع فهو لسائقي التاكسي الحر الذين يتثاقلون عليك للاتفاق معهم أو يثقلون عليك فتضطر إلى التخلص منهم أو الرضوخ لأحدهم هروبا من إلحاحهم، وخاصة إن لم يكن لديك البديل، والويل لك عندئذ إن فعلت فثق إنك ستدخل في دوامة من التفاوض الحر غير المأمون مهما بدا تعاقدك المبدئي معه مغريا وعادلا.
والمشهد الخامس يتحقق عندما تنتابك الرغبة في المرور على السوق الحرة بمطار القاهرة الذي ما زال يترنح بين فكر الاشتراكية بقيودها، فللمسافر ميتين فقط كل عام للاستفادة من الإعفاء بغض النظر عن مرات سفره، ولا ندري سبب هذا التقييد في ظل سياسات الخصخصة والعولمة والانفتاح، وبين فكر الرأسمالية بعرض الماركات العالمية من الشكولاته والكريستال والمشروبات الكحولية والسيجار، كما إن على المسافر أن يخصص وقتا كافيا إن قرر الشراء من السوق وقت تغيير (الوردية) وأن يتنازل عن رغبته في الشراء إن دهمه موعد السفر ولم يتم تسليم العهدة النقدية للوردية التالية، وعليه أن يفكر أكثر من مرة إن كان قرار الشراء ستعقبه الحاجة لحقيبة بلاستيك.. لأنها غالبا ما تكون غير موجودة. وبهذا تحولت السوق من سوق حرة إلى سوق مقيدة بفكر ورؤية من يخشى المساءلة وليست موجهة بفكر من يسعى إلى جلب الفرصة والبهجة للمواطن العائد أو السائح الزائر أو رجل الأعمال المقيم.
قدمت لهذه المشاهد بأنها ليست من نسج خيال خصب أو من رصيد فكر متشائم، ولكنها واقع يلمسه المسافر المتمرس من وإلى مطار القاهرة الدولي. إن الاستمرار هذا الحال في الوقت الذي تنشد فيه القيادة السياسية تطوير مطاراتنا الدولية وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة مطارات جديدة يهدد جمال أي منشأة ويفسد روعة أي إنجاز, لذا فإن التغيير الجذري لهذه السلوكيات وتعديلها من خلال نظام إداري متكامل يحمي سمعة مصر السياحية والإدارية لهو من الأمور شديدة الحساسية وعظيمة الفائدة إن تحققت.
ولن يحدث التغيير في الاتجاه المطلوب ما لم تكون قوة هذا التغيير المخطط والمرتقب أقوى من قوة السلوكيات المطلوب تغييرها، وما لم يتحول أسلوب إدارة هذا المرفق الحيوي من إدارة بالعرف إلى إدارة بالنظم، فهل آن الأوان لتحقيق السبق لنافذة مصر الأولى على العالم؟
وهل حان وقت الهروب من ديكتاتورية الحاضر وسطوة العرف السائد
في مطار القاهرة الدولي؟ وإن لم يحن الوقت الآن.. فلماذا.. ومتى؟