ديسمبر29
29 ديسمبر, 2008 
بقلم دكتور/عبدارحمن توفيق
لكي أساعدك.. عليك أن تمد يدك فالبداية دائما تحتاج إلى الخطوة ألولى.. ونقطة النهاية لن تتحدد دون تحديد نقطة البداية. والتعود على الألم يمنع الإنسان من الإحساس به ويمنعه كذلك من التحرك لعلاجه.
فلقد أعتاد عليه.. على مظاهره،.. أستعد له وتكيف معه حتى أصبح الألم أمرا طبيعيا. إن التعود على الألم يمنع الإنسان من أن يأخذ الخطوة الأولى فهو لا يحتاج إليها.. فالألم صار طبيعيا، متوقعا، ويمكن التعامل معه.
لقد قابلنا في حياتنا الكثيرين ممن يرفضون الذهاب إلى الطبيب.. ويرفضون أخذ الدواء وعرفنا عن قرب من يعمل في ظل ظروف معيشية أو بيئية غير صحية إلا أنه تعود على استنشاق الهواء الملوث وصار إحساسه بالألم أو ضيق التنفس شيئا متوقعا يمكن التكيف معه. إن القدرة على التكيف تذكرنا بالضفدعة التي تتردد عن القفز من على موقد أو صفيح ساخن لقدرتها على التكيف المستمر مع ارتفاع درجة حرارته حتى إن فكرت وقررت القفز تكون أرجلها قد التصقت ، فتحترق وتفقد حياتها.
صحيح أن التكيف يعد أحد مظاهر الذكاء إلا أن الإفراط فيه يفقدنا الكثير من فرص الحياة والتقدم فالتكيف هو آلة تخدير لرغبتنا في التغيير والتطوير..
فالإفراط في التكيف مع الفشل، مع الخلل، مع المشكلات مع النماذج البشرية السلبية، مع النتائج المتردية لبعض أجهزة الدولة، للجريمة، للمرور، مع نتائج سيدني. وهدوء الثورة العارمة والغضب الجماهير الجارف على النتائج التي تحققت في سيدني وتبرير الفشل الذي أصبح له الآن ألف سبب وسبب، كما لو أن هذه الأسباب لم تكن معروفة من قبل.
لقد بدأت عبارات التخدير التي ستنتهي بقبول النتائج التي تحققت باعتبارها (أمرا طبيعيا)، وسنفيق بعد أربع سنوات أخرى ونحن في حاجة إلى جرعة تخدير جديدة مسكنة، تبرر الفشل الأوليمبي الجديد. لقد ترددت في بعض البرامج الإعلامية بعض الأقوال الغريبة مثل ((لا داعي للحساب)) إن ما تحقق هو نتيجة طبيعية.. إننا كنا نعلم ونتوقع هذه النتائج قبل حدوثها. إن ما حدث ليس غريبا بل منطقي أو أننا نحتاج إلى تخطيط للبطولات والأبطال.. عبارات وكلمات وتفسيرات علمية عديدة للفشل واقتراحات نظرية، تتكرر دون أن يسمع إليها أحد كما لو أن هناك انفصالا كاملا بين أصحاب الفكر وأصحاب المصلحة.. عفوا أصحاب المسئولية.
إن حجم المشكلة إن لم تكون (الأزمة) هو أكبر بكثير وأقوى من أسلوب معالجتها.
فنحن أشبه بمن يريد أن يتسلق جبلا وعرا وهو حافي القدمين..
ولدينا في الوقت نفسه مبررات كثيرة لضرورة تسلق الجبل ولدينا كذلك مبررات لعدم تسلفه وكلاهما دون إعداد علمي ودون تعلم لأسباب الفشل الماضية لقد فشلنا في الماضي فمنذ عام 1964 ونحن نجني الفشل فقط ميدالية قضية واحدة لمحمد رشوان عام1986.. ولكن هل تعلمنا من فشلنا.. لقد عبر بعض الأبطال الرياضيين عن خيبة أملهم بعبارات ذات دلالة غاية في الوضوح، بل أن طلعت مبروك المرشح للذهبية في التايكندو قال ((بصراحة أنا دخلت الملعب وخرجت وكأني لم ألعب المباراة)) عقب هزيمته القاسية أمام منافسه.
هل تعلمون سبب هذا الإحساس: إن سبب هذا الإحساس الذي قد يكون لدى الكثيرين من لاعبي فريقنا الرياضي بالأولمبياد هو شحنة الضغط النفسي الهائلة التي تسبق الصعود على حلبة المنافسة.. شحنة التهديد والتخويف في حالة الفشل.. بما يجعل البطل تتبدد طاقته قبل اللعب عندما يتصور ماذا سيحدث له (لو فشل!).
إن تصور النجاح وتخيل النصر أحد أهم أسباب النجاح. كما أن تصور الفشل وتخيل الإخفاق..
هو أحد أهم أسباب الإخفاق.. عندما يعلن الإداريون أن ما حدث هو أمر طبيعي ومتوقع وعندما يؤكد اللاعب أنه لم يلعب وعندما يؤكد بعض المسئولين أنه لا داعي لإضاعة الوقت في الحساب. فإن السؤال المنطقي عندئذ هو لماذا ذهبنا إذن إلى أولمبيات سيدني. وهل كانت هناك خطة استراتيجية لها أهداف طويلة الأجل وأهداف مباشرة نسعى إلى تحقيقها وهل هذه الأهداف مكتوبة ومتفق عليها ولها ميزانية للإنفاق عليها.
باختصار هل كان هناك (خطة) لكل اتحاد يسعى ممن خلالها إلى تحقيق (نتائج محددة مرتبطة بتاريخ وتوقيت معين تبرر هذا الجهد الهائل الضائع) هل كانت المسئولية محددة ومعايير تقييم أداء القائمين على هذه الأنشطة الرياضية مؤكدة ومعروفة للجميع.. أم أن الجميع يجتهد دون هدف ويعمل وفي ذهنه مبررات هزيمته وعلى طرف لسانه الكلمة الشهيرة (الإمكانيات) لم نستمع إلى أي منهم من يرفع صوته عاليا ويقول (أنا المسئول عما حدث لذا قررت أن أترك موقعي لغيري من القيادات الرياضية الشابة) تماما كما فعل (الوزير في الحكومة الأسترالية مايكل نايت) المسئول عن تنظيم هذا الحدث الرياضي الأعظم في تاريخ البشرية منذ أيام عندما قدم استقالته لأنه صرخ بأعلى صوته رافضا إعطاء ميدالية أوليمبية لأحد المديرين. استقال وهو في قمة نجاحه وتفوقه. ولعل هذا القرار في حد ذاته يشرح لنا نوع وطبيعة القيادات المسئولة عن هذه الإنجازات الجبارة، معنى الحسم والحزم والثقة والتمكن والالتزام بمبادئ العمل هذه القيادات التي تترك موقعها وتترك أيضا بصمتها وإنجازاتها خالدة.
هل سنتعود على الألم الذي شعرنا به ونبطل مفعول الغضب الجماهيري الذي لمسناه، هل ستتحول برامجنا التي عالجت هذه النكسة الرياضية إلى برامج (فضفضة وصراخ) وهل ستعود ريما إلى عادتها القديمة في الاتحادات الرياضية.. وهل ستتكرر تلك المقالات والمانشيتات بعد أربع سنوات ربما في نفس الصفحات.
إنني في حقيقة الأمر أخشى أن تنتهي نكسة سيدني كما بدأت بتفسيرات، تحليلات، تهديدات بالعقاب، انسحاب واعتزال للأبطال، واحتراف للبعض الآخر خارج مصر، وتمسك القيادات الرياضية بالاتحادات المتخصصة بمواقعها. التي جاءت إليها بالتزكية أو بالاختيار. إن العبرة بتحقيق الهدف وليست ببذل الجهد.. إن الأسئلة التي تواجه المسئولين.. جميع المسئولين عن هذه النكسة هي:
وعندما يصبح لدينا أجهزة قيادية مؤهلة إداريا وتربويا لإدارة هذه الأنشطة ولدينا كذلك إجابة بالإيجاب على هذه الأسئلة.. وتصحب لدينا القدرة على تصور النجاح، ونرفض وقتها أن نعمل بالتهديد أو بالتهدئة أو بالانفعال.. وسنتخلص جميعا من آلية التعود على الألم، تلك الآلية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من ضميرنا وسلوكنا، نسكتها، نجبرها على النوم إلى أن يحدث ما ينشطها فيعود لدينا مرة أخرى الإحساس بالألم وتعاونا الرغبة في الكلام والحديث والتفسير والتبرير والفضفضة والصراخ.
فهل تعودنا على الألم أكثر مما تعودنا على الأمل والعمل!!.. 1- هل هناك أهداف استراتيجية محددة لهذه الاتحادات المتخصصة؟. 2- هل خصصت الميزانيات المالية لتحقيق هذه الأهداف؟ 3- هل هناك معايير محددة للأداء نفرق من خلالها بين الأداء المتميز والأداء السئ؟ 4- هل هناك خطة (سياسة حوافز معلنة لتقدير الأبطال والإداريين) في حالة فوزهم؟ 5- هل يصاحب الأبطال مرشدون نفسيون يعملون على تهيئتهم نفسيا لحمايتهم من الاخفاقات المفاجئة المصاحبة والمؤدية عادة للفشل؟ 6- هل تتم تدريب القيادات الإدارية والفنية على مهارات العمل الجماعي وفرق العمل الفعالة ليعملوا معا كفريق واحد؟ 7- هل شاهد المسئولون عن إدارة هذه الفرق أفلاما رياضية وإدارية عن (كيفية صناعة الأبطال) وكيفية إدارة هذه الأحداث العالمية؟ 8- هل صاحب البعثة من يسجل أحداث هذه الدورة (إداريا – فنيا) بهدف الاستفادة منها في التدريب والتعلم؟ 9- هل نعرف من الآن ما هو التطور المستهدف حدوثه في أدائنا خلال الأربع سنوات القادمة؟ 10- هل لدينا أجهزة معلومات لرصد التطور السريع المتلاحق لهذه الصناعة المعقدة ((صناعة الأبطال))؟ 11- هل لدينا آليات ومناهج وأدوات قياس لاكتشاف الموهوبين مبكرا؟ 12- هل لدينا خطة تنفيذية متعددة المراحل لسد هذه الفجوات بين ما نتوقعه وبين ما نحققه.