ديسمبر29
29 ديسمبر, 2008 
بقلم دكتور/عبدالرحمن توفيق
قد نعمل وننشط في مجالات الحياة المختلفة لأسباب ودوافع عديدة.. من أهمها رغبتنا في الحصول على تقدير الآخرين لنا. بل أن صناعات عديدة قامت لتبيع لنا التقدير كسلعة لا يتوقف سعينا للحصول عليها، فكل مساحيق الجمال والفنادق الفارهه ورفاهية الدرجات الأولى بالفنادق والأزياء والطائرات والموضة، ما هي إلا صورة من صور صناعة (الاختلاف). يريد كل منا أن يكون (مختلفا) (مقدرا)، مختلفا عن الآخرين ومميزا عنهم وفي نفس الوقت مقدرا منهم. قد يشبع الفرد أو يروي ظمأه من الطعام والماء ويشعر بالامتلاء من بعض متع الحياة، إلا أنه دائم السعي للحصول على تقدير الآخرين له.. وحتى لو كان يشغل أرقى المناصب.
التقدير باللمسة والهمسة والكلمة والنقود من أسرار نجاح القادة ورجال الأعمال والمديرين، فكل منا يسعد بالعمل أو الحياة مع من يقدره ويهتم به، بل إن الحيوانات تتعلق أسرع عندما تكافأ على تعملها، والنباتات تنمو أسرع عندما نعتني بها ونقدرها.. فالتقدير حكمة إلهية عامة تنطبق على الخلق أجمعين، ألا أن هذا التقدير يجب أن يكون (بقدر) دون إفراط أو تفريط بأن يأتي مناسبا ملائما، وفي التوقيت السليم، وللشخص الذي يستحقه، وبجرعات محسوبة ممتدة المفعول وفورية.
إلا أن هناك عددا من الأخطاء التي قد نرتكبها ونحن نقدر الآخرين أو نتلقى تقديرهم. كظاهرة (الإفراط في التقدير) على كل كبيرة وصغيرة حتى تفقد كلمات الثناء معناها وقيمتها، ويتحول المدير أو الرئيس إلى (بابا نويل الإدارة) فيمنح الثناء للجمعي مستخدما كلمات براقة (عظيم، ممتاز، رائع، هائل) دون أن يكون لهذه الكلمات وزن أو قيمة أو معنى حقيقي.
تماما كإصرار شركات الطيران على وضع ملصق أولوية أو أفضلية Priority على حقائب ركاب الدرجة الأولى التي غالبا ما تصل بعد حقائب ركاب الدرجة الثانية حتى فقدت هذه الكلمة معناها العملي، أو كمثل بعض جوائز الإنتاج أو كئوس التفوق التي من كثرة منحها فقدت قيمتها.
فالإفراط في التقدير بتوزيع (عبارات الثناء الميتة) يفقدها قيمتها، بل إن بعض الشهادات الدراسية أو شهادة الجودة والأيزو والإنتاج قد فقدت معناها من كثرة منحها دون وعي أو دراسة.
بل إن التقدير بلا تقنين قد يؤدي إلى إفساد من نقدره وتلفه وتعوده على مزيد من التقدير عن كل صغيرة وكبيرة حتى إذا ما توقفنا عن تقديره أو جاء من لا يسهب في تقديره، امتنع عن أداء العمل المطلوب منه. وعندئذ يصبح الاعتياد على التقدير ذا (ضرر مركب) فهو يفقد كلمات الثناء قيمتها، ويخلق في نفس الوقت حالة من الاعتياد عليها، فلا يعمل الناس بدونها.
أما الخطأ الثاني الفادح الذي يرتكبه بعض المديرين أو حتى الآباء هو التقتير قفي تقدير الآخرين، بأن يشعر الطرف الآخر بأن ما يقوم به من أعمال فذة (إنما هو أمر متوقع أو طبيعي) فلا يعطيه حقه من الثناء والتقدير باعتبار أن ما قام به هو جزء من (صميم عمله) أو (واجبه)، فالأم أو الأب الذي لا يقدر جهود الأبناء باعتبار أن هذا المجموع أو تلك الدرجات المرتفعة إنما هي (أمر طبيعي) بدعوى أنه وفر له كل متطلبات التميز، أو هذا المدير الذي يقتر في كلمات الشكر عندما يؤدي أحد مرؤوسيه عملا إبداعيا جديدا، إنما هم بسلوكهم هذا يقتلون الدافع للتفوق والإنجاز والإبداع.
إذا نحن أمام نمطين رئيسيين من السلوك في تقدير الآخرين، كلاهما يمثل نقيضا للآخر، وكلاهما ينتهي بنا إلى قتل الدافع للتفوق وفقد الآخر، بإغراق النبات بالماء يقتله تماما كمنعنا عنه هذا المصدر الحيوي للحياة والنمو، ويكمن وراء التمسك بهذين النمطين مجموعة من الافتراضات السلبية الخاطئة، فصاحب (عبارات الثناء الميتة) أو فاقدة المعنى والروح يؤكد أن (الكلام لا يكفله شيئا)، وأيضا أصحاب فلسفة الاكتئاب والتجهم الإداري يؤكدون أن الكلام الطيب مفسدة.
هذه الافتراضات لم تأت أو تتكون من فراغ بل على أثر تنشئة خاطئة أو تجربة سلبية سابقة تركت آثارها العميقة حتى صارت قيمة راسخة لدى هؤلاء المديرين أو الآباء وهناك من الأمثلة الشائعة الدالة على ذلك فأحدهم يقوم (الثناء كالنفخ في البالونة) كلما زدت منه زادت احتمالات انفجاره في وجهك، والآخر يؤكد أهمية أن يعمل مرؤوسيه باستمرار تحت ضغط مستمر دون أن يهنأ لهم بال أو يشعروا بالاستقرار أو أن تلتصق مؤخرتهم بالمقاعد التي يجلسون عليها مؤكدا أهمية الترهيب والقمع كأداة ضبط لزوايا أداء هذا الموظف أو ذاك، فالإنسان بطبيعته يكره العمل ويحب اللعب.
وعلى الجانب الآخر نجد من المرءوسين من يسعى لانتزاع التقدير ويطلبه ويصر عليه حتى ولو كان ما قام به من عمل لا يستحق ذلك، وهناك من يفتعل التمارض أو الغياب السياسي المفاجئ عن العمل عندما يكون في ذروته كأسلوب للضغط على الإدارة حتى تضطر إلى الإذعان لمطالبه الكثيرة، ونموذج غريب آخر من المرؤوسين من تنخفض كفاءته فجأة لخطاب شكر في حفل عام كما لو أنه يقول (أصبح عندي الآن رصيد) من التقدير يسمح لي بالتقاعس والإهمال، فهو يصر دائما أن يكون صفر الرصيد خالي الوفاض سلوكيا. ونماذج أخرى عديدة سلبية من المرؤوسين في تلقيهم للتقدير وتقديرهم له، فهذا يتوهم انهيار كافة الحواجز والحدود مع رئيسه لمجرد تقديره له وإشعاره بأهميته في العمل، والتالي يتعالى على زملائه ويرفض تعليمهم أو التعاون معهم باعتباره مالكا لأسرار النجاح والتفوق، والثالث يبدأ في التهديد بين الحين والآخر بترك العمل أو البحث عن عمل آخر ويلوح في وجه الإدارة بالعقود والعروض التي تنهال عليه بين لحظة وأخرى.
وجميعها نماذج سلبية مريضة تدعم الرؤساء (السلبي) من إفراط أو تقتير في التقدير وتتحول لعبة التقدير إلى مباراة بين طرفين أساسها الردع والقهر بالترهيب وقطع الأرزاق من جانب الرؤساء أو الكبار والمناورة والتأليب وتقييد الإنتاج وانخفاض الإنتاجية من جانب الأبناء أو المرءوسين أو الصغار.
إن التقدير.. بقدر دون إفراط أو تقتير هو وسيلتنا للحفاظ على المتفوقين والتخلص من المتقاعسين، سواء كان ذلك الأمر متعلقا بلاعب كرة قدم لا يقدره ناديه أو رجل أعمال تدلل الدولة فتفسده فيهرب أو أستاذ جامعة لا يقدره نظام الجامعات الجديد أو أحد أبنائنا ممن يستذكرون دروسهم وهم يعلمون أنهم مهما حققوا من نتائج فما زالوا يشعرون بأنهم مقصرون أو فاشلون ولن يحظوا برضاء الوالدين أو الرضاء عن النفس.
1 التعليقات...
رد: التقدير.. وقود التفوق
خير الأمور الوسط ، والوسطية في أي شئ وأي مجال أفضل من الأفراط سواء الأفراط الإيجابي أو السلبي بواسطة mohamedelramly في
13 فبراير, 2009
|